آخر تحديث:12:27(بيروت)
الأحد 03/06/2018
share

مترو القاهرة.. نهاية الآدمية

إيناس كمال | الأحد 03/06/2018
شارك المقال :
مترو القاهرة.. نهاية الآدمية
قوات أمن برُتَب مختلفة، رجال شرطة بلباس مدني ورسمي ينتشرون داخل محطات المترو، عندما رأيتهم ظننت أن حرباً على وشك القيام. 
هذا الانتشار ذكرني بوجودهم بكثافة سابقًا إبان الاحتجاجات الجماهيرية الغاضبة التي خرجت في ثورتي يناير ويونيو، وكان انتشارهم آنذاك، ظاهرُه حماية المدنيين، لكن باطنه إلقاء القبض على المتظاهرين أو من يشتبه في أنهم كذلك من لباسهم أو مقتنياتهم الخاصة بعد تفتيشها.

المعاناة الحقيقية وجدتها أمام شباك التذاكر، الذي ذكرني الطابور الواقف أمامه بطوابير الخبز، بسبب جهل المحصلين من موظفي الشباك، بفئات التذاكر وعدد المحطات، حتى أنهم كانوا يخطئون في احتسابها، ما جعل بعض المواطنين يدفعون أكثر ويثير ضيقهم برفض تذاكرهم في محطات الخروج كما كان مواطنون يحسبون محطاتهم على اصابع ايديهم كما لو كانوا يسبّحون.

وبعدما عزمت وأخذت قراري بالتوجه إلى الشباك لشراء تذكرة، وما إن اقتربت لأسأل عن طابور السيدات، وجدت من يقول لي: "سيدات إيه مفيش تنظيم".

حاولت الاقتراب من أقل الطوابير طولًا، وما إن توجهت إليه وجدت من يأتي خلفي وعينه تنظرني وكأنه قد وجد ضالته أو فريسته. وحينما وقفت في الطابور وجدته يأتي من خلفي ويتصنع الزحام ليلتصق بجسدي، فقاومته بنظراتي لأني لم أكن أتوقع أنه وسط الجحافل الأمنية الموجودة سيجرؤ على التفكير في التحرش، لكنه فعلها، وخاب ظني.

أبعدته عن الطابور بالقوة حتى لا يكون تأخيري في وسائل مواصلات أخرى، واستكملت الطابور. وبعد انتظاري لما يقرب من 20 فرداً أمامي، وجدت موظف الشباك يغلق منفذه بقطعة زجاج ليقول ببرود أعصاب يُحسد عليه: "آسفين يا جماعة هعد الفلوس ونعمل جرد".

هنا خارت قواي.. ورغم تأخر دخولي الى عربة المترو أخيراً، إلا أن القرار الحكومي برفع سعر التذكرة ربما يكون نجح هذه المرة في خفض الزحام داخل العربات، إذ أمكنني الجلوس بسهولة، على عكس المرات السابقة حينما كان التحامي بالجماهير أمراً فرضاً، وهو ما كان يجعلني على حافة الاختناق بسبب ضيق مساحة الحركة والتنفس.

كل ذلك بسبب قرار غريب وغير مدروس برفع أسعار تذاكر المترو، بنسبة تتراوح بين 50 و350% من سعرها الأصلي، وهو 2 جنيه والذي ارتفع وقت حكم السيسي مرتين.

ورغم أني لستُ من هواة الابتزاز الاقتصادي، ولو كان في إطار خطة الحكومة لتطوير هيئة الطرق، كما قالوا، انصعتُ هذه المرة لأشاهد بعيني، كيف تأثر المترو بارتفاع أسعار تذكرته.

الوجوه غاضبة داخل عربات المترو. فالجميع، حتى ميسوري الحال، يرفضون الزيادة التي ربما تعني أن نصف الراتب سيضيع في تنقلات يومية في المترو، الوسيلة التي -رغم قلة الاهتمام بها وانعدام الإنسانية في ركوبها- تبقى مفضلة لدى مَن هم على عجلة من أمرهم، خصوصاً مع زحام الطرق المعتاد في القاهرة التي باتت تأوي 35 مليون مواطن.

دار نقاش بيني وبين مجموعة من الصديقات، لا سيما المستقلات، عبر منفذنا الفايسبوكي السري، لأني أعلم مدى معاناتهن في الإنفاق على أنفسهن وفي تحمل أعباء مادية إضافية.

ابتسمت صديقتي "س" والتي استقلت عن أهلها قبل سنوات. قالت إنها آثرت العودة إلى الأهل بعد الارتفاع الجنوني في كل شيء، اتقاءً لشر الحاجة والافلاس، بينما الصديقة "ف" تعاي صعوبة أكبر لأنها تريد مواصلة قرارها بالاستقلال.

قالت صديقتي في حزن وضيق، إن الآدمية والإنسانية مكلفة جدًا، فإما وسيلة المواصلات غير المكلفة سابقاً والمكلفة حالياً، ألا وهي المترو، والتي كانت مليئة بالمضايقات والتحرشات، أو الوسيلة الآدمية الأخرى المتمثلة في النقل الخاص والتاكسي والذي يجعلها في ختام كل شهر تقترض ما يعينها على إكمال شهرها. وبينما يبلغ راتبها قرابة الـ120 دولاراً شهرياً، فإنها تنفق قرابة 80 دولاراً على إيجار السكن، وتعتقد أنه لن يتبقى متسع مادي للآدمية، ولا لما يمكّنها من الإنفاق على نفسها ودعم استقلالها مادياً.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

إيناس كمال

إيناس كمال

مُدوِّنة مصرية