آخر تحديث:13:04(بيروت)
الإثنين 11/06/2018
share

كيف هدّدت الثورة مسيحيي سوريا فقط؟

وليد بركسية | الإثنين 11/06/2018
شارك المقال :
  • 0

كيف هدّدت الثورة مسيحيي سوريا فقط؟ يحاول الإلتفاف على ظلامية "سوريا الأسد" بخلق الوهم أن الحياة فيها جميلة خلافاً لحقيقتها كأرض من الديستوبيا
لا يمانع مخرج النظام الأول نجدة أنزور، الإيحاء بـ"تآخٍ عميق" بين رجل دين مسيحي وآخر مسلم في مسلسله الأخير "وحدن"، طالما أن تلك العلاقة بين "أبونا" و"شيخنا" تخدم فكرة الإندماج الديني في ظل النظام السوري، الذي "تحاول الثورة السورية والمعارضة الإرهابية هدمه"، كما يزعم في أدبياته.

ورغم أن المسلسل يحاول تقديم الفكرة بطريقة كوميدية مع موسيقى "فانكي" تقطع النظرات التي تجمع بين الممثلين سليم صبري وجهاد الزغبي وحديثهما عن النوم في غرفة واحدة والقبلات والزواج، من أجل تلطيف الأجواء بينهما إثر سكنهما معاً بسبب ظروف الحرب في القرية المحاصرة التي يسكنانها، إلا أن المباشرة والفجاجة في الطرح الديني الدعائي، تجعل غايته شديدة الوضوح، متمثلة في تأكيد التقارب المسيحي الإسلامي في سوريا الأسد، ويتعزز ذلك بالمشاهد الأولى من العمل حيث تخطف "الجماعات الإرهابية المسلحة" شاباً مسيحياً من أحد الحقول وتترك صديقه المسلم، وهي حادثة تكررت ١٥ مرة طوال عام كامل، حسبما يدّعي العمل لاحقاً.

ويحاول العمل هنا محاكاة وجهة النظر الرسمية للثورة في البلاد، بأنها فعل إرهابي نتج عن جماعات متطرفة دينياً مرتبطة بدول خارجية من أجل استهداف الحضارة السورية والدولة  التي تعايش فيها المسيحيون والمسلمون بطوباوية لم تتواجد عبر التاريخ إلا فوق الأرض السورية! وهنا يلعب المسلسل على الوتر الديني التقليدي، بغضّ النظر عن الطوائف والمذاهب داخل الديانتين، مع الإشارة إلى أن المسيحيين في البلاد، بشكل عام، وقفوا إلى جانب النظام، بوصفه مدافعاً عنهم كأقلية، وهو ما أكدته أبحاث لرجال دين مسيحيين وباحثين سوريين مؤخراً.

والحال أن النظام كرس طوال سنوات حكمه للبلاد، شعوراً لدى المسيحيين بأنهم طائفة ذات امتيازات خاصة. فباستثناء بعض القرارات المجحفة التي طالتهم كالاستيلاء على المدارس الخاصة العام 1967 في حلب وغيرها، ضَمن النظام لهم امتيازات، هي في الأصل حقوق، بعكس طوائف ومذاهب أخرى، مثل حرية العبادة والاحتفالات الدينية واستمرار نشاط المنظمات شبه الأهلية الملحقة بالكنيسة كالأخويات وأفواج الكشافة، وتعامل النظام مع المسيحيين باعتبارهم جماعات لا أفراداً، وهو أمر مألوف لدى الأنظمة الشمولية حيث يستمد الفرد نقاط قوته من انتمائه إلى الجماعة، لا من اعتباره مواطناً في دولة تحترم مفهوم المواطنة، فضلاً عن غضّ النظر عن بعض الأنشطة كالكشاف المسيحي التابع للكنائس، بعكس الأنشطة المماثلة لدى بقية الطوائف والأديان في البلاد، والتي تكفلت بها منظمات الطلائع والشبيبة التابعة لحزب البعث، عبر تجربة المخيمات العسكرية.

ولا يطرح أنزور هنا "سوريا الأسد" كدولة علمانية، بل دولة محافظة تقليدية، ويشكل الدين أساسها، لكن الفرق بينها وبين "داعش" هو احترام بعض الأديان الأخرى، لا كلها، من دون الحديث عن الملحدين أو غير المتدينين. ويصل اختلاق الطوباوية الدينية إلى حد مباركة رجل الدين المسيحي لفكرة زواج شاب في كنيسته الصغيرة من فتاة مسلمة تكبره بعشرين عاماً، ولا يمنع ذلك الزواج اعتراض الأهل أو سمعة الفتاة كمومس محلية، بل يضع الخوري شرطاً وحيداً لمباركة الزواج، يتمثل في أدائه الخدمة الإلزامية. علماً أن زواجاً مشابهاً في الحياة الواقعية مستحيل عملياً، مع تحريم الإسلام لزواج المسلمة من غير المسلم، أما في الحالة المعاكسة فتقاطع الكنيسة والعائلة الفتاة المسيحية التي تتزوج مسلماً. فيما لا يوجد قانون للزواج المدني في سوريا.

ورغم اقتراب العمل من نهايته، تبقى المقاربة الدينية ركيزته الوحيدة. وعلى الرغم من الترويج له كمسلسل يروي قصة نساء في قرية سورية يحاصرها "الإرهابيون"، إلا أن الرجال موجودون في القرية الصغيرة البائسة، أما الحضور الأنثوي فلا يبدو بطولياً بقدر أعمال سابقة لأنزور نفسه مثل "امرأة من رماد" أو أفلامه عن "داعش" التي روج فيها لفكرة الثورة الذكورية المعادية للنساء بتصوير المعارضين على أنهم مغتصبون وإسلاميون قدموا إلى سوريا من أجل التمتع بجهاد النكاح والسبي والعبودية الجنسية على طريقة تنظيم "داعش" فقط، وإلغاء باقي أطياف المعارضة السورية من الناشطين والمدنيين، الذين يشكلون الخطر الوجودي الأكبر على النظام. 

في ضوء ذلك، تصبح مقارنة المسلسل بفيلم المخرجة اللبنانية نادين لبكي "وهلأ لوين" إهانة للفن إجمالاً وليس للمخرجة لبكي فقط، لأن المسلسل، فضلاً عن علله الفكرية وخطابه الأيديولوجي البحت، يخلو من أي لمحة فنية أو بصرية، ويبدو فيه الإنتاج فقيراً ومتواضعاً، وكأنه مسلسل أنتج من قبل هواة متطوعين وليس من أشخاص يفترض بهم امتلاك حد أدنى من الحرفية. ولعل تباهي أنزور بالانتهاء من تصوير العمل وعملياته الفنية في ثلاثة أسابيع، يقدم لمحة عن مدى التساهل في صناعة هذا النوع من الدراما، التي تهين عقل الجمهور الموالي للنظام قبل المعارض له.

ويجدر القول أن العمل الذي كتبته ديانا كمال الدين وتشارك فيه أسماء معروفة مثل نادين وأمانة والي، يحاول الإلتفاف على ظلامية "سوريا الأسد" بخلق الوهم أن الحياة فيها جميلة وهنية، بعكس حقيقتها المرعبة كأرض من الديستوبيا الواقعية. فبؤس الشخصيات اليومي على صعيد الفقر والخدمات والجهل والانغلاق وغير ذلك من الرواسب الاقتصادية والمجتمعية في الأنظمة الشمولية، لا يتعلق بالإرهاب المفترض، بل هو الشيء الجميل الذي يدافع المسلسل عنه ويجعل الشخصيات تتغنى به وتدافع عنه لأن "الإرهاب" يستهدفه.

وتقتصر اللمحات النسائية في العمل على كليشيهات الأمومة والوطن، أو الفجاجة الجنسية في الحديث عن القبلات الأولى والمداعبات الأولى واشتهاء جسد الرجل، وصولاً لمشاهد طويلة، ضمن الحكايات الفانتازية الجانبية، تمثل حفلة "أورجي" نسوية، تقوم فيها كل امرأة باختيار عدد من الرجال مفتولي العضلات الذين يعرضون ذكورتهم لإرضاء كافة الأذواق.

وفيما يفترض بهذه المشاهد خلق جو من الإثارة الجنسية إلا أنها لا تثير سوى الضحك، فحتى صناعة "البورنو" أكثر تطوراً وإقناعاً ونبلاً من الهراء في المسلسل الذي يصفه أصحابه وبعض المعلقين عبر السوشيال ميديا بأنه يقوم على أسلوب "الواقعية السحرية"، وهي عبارة كافية لجعل سلمان رشدي يرغب في اعتزال الكتابة وترك غابرييل غارسيا ماركيز متقلباً في مرقده الأخير، لو سمعا بها!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها