آخر تحديث:13:58(بيروت)
الأربعاء 09/05/2018
share

الجنوب الدمشقي: الخبر الأخير

مطر اسماعيل | الأربعاء 09/05/2018
شارك المقال :
الجنوب الدمشقي: الخبر الأخير في الليلة الأولى للهجر ينتحب القلب (Getty)
كل شيء كان يوحي باقتراب معركة التحرير. كنت قد خرجت قبل أيام قليلة من المعتقل، للمرة الثانية، قضيت فيهما 6 شهور، وقرّرت الانضمام للجيش السوري الحر. الانضمام للفكرة، ولقدسية الحالة الشعبية وطهرانية السلاح، لا للمؤسسة العسكرية أو الكتيبة التي تحوّلت إلى لواء، وتضخّمت فصارت جيوشاً وفيالق، وتعاقبت تسمياتها بين مختلف الأعلام والرموز خلال الأعوام الـ1400 من عمر الذاكرة الجمعية للمجتمعات الأهلية. تسميات وكيانات تهافتت وجنت على الثورة وعلى نفسها وعلى التاريخ.

بكت أمي في أول سهرةٍ جمعتنا بعد ساعات على خروجي من المعتقل، في الربع الثالث من العام 2012. كانت قد أعدّت القهوة، ونام الجميع في المنزل المطلّ على دمشق، في ليلة ساحرة تلألأت فيها أنوار البيوت من داريا يميناً حتى دوما في الغوطة يساراً، بخطٍ أفقيّ، أيّ على "مد عينك والنظر". كان حي الميدان الدمشقي، حينها، يتعرّض لقصف عنيف، وتدور اشتباكات غير متكافئة في حاراته التي حفظناها نحن السوريين الحجّاج إلى قبلةِ الروح دمشق، ومشّطنا شوارعها بالتظاهرات والاحتجاجات. بكت أمي دموعها الأولى بعد استعصاءٍ دام طيلة شهور الاعتقال، عندما أخبرتها بقراري. كنت عازماً، وفي الآن نفسه، شعرتُ بأنانيّة مفرطة حقيرة، وبجنون ثوري لا يقيم وزناً لاعتبارات الأهل والعائلة، ولا يستطيع أن يقدّر رغبتهم القويّة ببقاء بِكرِهم في أمانٍ بعد ولادتين من المسالخ البشرية في "أمن الدولة" و"الأمن العسكري".

ما كان الأمر يحتاج لكثير عناء، لأعاود بناء منظومة متكاملة من علاقات "الحراك السلمي" ورفاق تظاهرات برزة والقابون ودوما وحرستا والميدان وغيرها. من منطلق العمل الإعلامي منذ ثاني أيام الثورة السورية، وعبر جسر العلاقات المتين، تنقّلت بين أحياء جنوب العاصمة دمشق، بدءاً من مخيم اليرموك والتضامن، الحجر الأسود والقدم، وصولاً بعد أسابيع إلى بلدات سبينة وحجيرة والذيابية ومخيم الحسينية ومن ثم يلدا وببيلا وبيت سحم حيث سكنت.

معركة التحرير تعسّرت بفعل عوامل كثيرة معقدة للغاية، وتحتاج مساحات واسعة للحديث عنها، تفصيلها وتفكيكها، احتراماً لكل جزئياتها ودقائقها. التجربةُ كلّفتنا آلاف الشهداء قصفاً وجوعاً ومرضاً، ولم تكن المقدمات توحي بما آلت إليه الأوضاع من نتائج مرّة؛ هزيمة عسكرية، وفشل إداري، وخسارة بشرية كبيرة، وخاتمة تبدأ بالتهجير ولا يعلم أحد كيف ستنتهي.

وككل معتقل يساقُ من أقبية الموتِ، وزنازين التنكيلِ الجسدي والنفسي، والشَبْحِ والجَرَبِ والجوعِ والخوف، ليرى النور مجدداً، كالولادةِ بعد مخاضٍ عسير، ثم يعيش الصدمة، من الأبعاد، أبعاد الطرق والأشجار والبشر، من المتغيرات، سياسيةً وعسكريّةً واجتماعية، من الآخَر، شبحاً كان أم هلوسةً أو مجرّد كفّ صديقٍ تربّت على الكتف. الصدمة ذاتها عشناها وما زلنا، منذ بدء العمل العسكري الواسع لنظام الأسد بدعمٍ روسيّ على جنوب دمشق في 19 نيسان 2018، وما وازاه من تهجيرٍ قسري سيرغمنا على ترك أرضنا إلى أرضنا الأخرى، لكن بقرارٍ خارجي، يسموّنه "تفاهماً"، ونسمّيه انتقاماً من الشعوب.

صدمةُ التهجير تماثل صدمة الهجر لمراهق. الأول جماعي، بينما الثاني على المستوى الخاص. وفي الحالتين، يتحطّم القلب، وتتشتّت الرؤية، ويتحوّل العزمُ إلى وهنٍ والإرادة إلى يبابْ. لكن مع ذلك، تدرك أن الهزيمة مدرسة، وأن الدروب الشّاقة لا يخوضها إلّا محظوظون، قد تكون نهايتهم الموت، لكن الموت بكرامة ليس مشكلة بقدر ما هي الحياة بذلّ.

في الليلة الأولى للهجر ينتحب القلب، وتتندّى الروح قبل بلوغ الفجر، ويتأرجح النفَسُ شهيقاً وزفيراً بين الحياة والموت، كذلك التهجير يحمل في طيّاته، انتقاماً من الروح والعقل، يخيّم كقبّة فوق النَّفْس، ويحطّمها، كما تدك غارة مدرسة للأطفال، ومن الهجر الخاص إلى التهجير العام، تصحو الذاكرة، وتقوم قيامةُ الأحلام جميعها، ويتسرّب الخوف.

أرتّبُ أيامي الأخيرة في جنوب دمشق بلا وعيّ، معركة التحرير اليوم انتهت، وبدأت مسيرة التهجير. في الأثناء، الدبابات تنتشر. جنود النظام يتجوّلون في خطوط التماس مع "داعش"، ويتسّربون إلى بعض الأحياء القريبة. الروس أيضاً يجولون ويصولون، يرفعون أعلامهم فوق ركام منازلنا المدمّرة، وعلى وقعِ الغارات المجاورة والبراميل المنهمرة كمصفوفة رياضية غير منتهية. أودّع الجدران والشوارع والأصدقاء ببعض اللقطات والعبارات والقبل.

يتبدّى انكسار السنوات الثماني الماضية، في ما يعمّر الآن من جديد في المنطقة المحاصرة، من خوفٍ ورهبةٍ مضاعفة ومصقولة، من النظام وفروعه الأمنية وجيشه الخائن. أوقفني أحد المدنيين وأنا أكتب عبارة الوداع الأخيرة: "هي هجرة أخرى.. فخذ بالمبدأ الصلب.. وبعروة الثورة الوثقى.. حتى تضجّ الأرض.. وتنتصر القيامة"، وطلب مني أن أمسحها، فلا ضرر ولا ضرار، بحسب مبدئه. وبالطبع لا بديل من الاستجابة، ولا مجال للمشاكسة احتراماً لخوف الرجل. الخوف قيامة الباقين، الخوف هويّة سوريّة أصيلة، هشّمتها الثورة السورية، وأحياها النظام مجدداً، بمليون شهيد وآلاف المعتقلين وملايين المشرّدين. ليست أرقاماً وأصفاراً نتجادل في دقّتها، هي حصاد دمويّ مرعب. الرعب أيضاً يعسكر في الوجوه، الكل مرعوب، وقد يكون هو ذاته ما ذهب بأحد الشباب إلى الاستلقاء في شوارع ببيلا، الثلاثاء، من أثر الحشيش والسُّكر، انتقاماً من كلّ شيء. من سطوة الإسلاميين سابقاً، والنظام لاحقاً، ومن لعنةِ الواقعِ المخيف، ومن المصير المجهول.

نترك دياراً لم نعرفها من قبل، أحببناها كحبٍ أول، ولا ينتهي، انتشينا حتى في استبداد الحصار. هل تتخيل مذاق لحم القطط المشويّة؟ إنه لذيذ، بعد جوعٍ وأفق مسدود، هل تتخيّل تفشّي اليأس؟ انتحار الإيمان والأمان، انتصار العدم. هي هجرة أخرى. سرنا كطفلٍ يتلعثم في الخطو ويكبو، كبونا في خطواتنا الاولى، ويوماً ما سنشبُّ ونعود، كرارين؟ لم نَحِد عن قضيتنا أصلاً، بل ذهبنا إليها ولن نصالح، "أترى حين أفقأ عينيك وأثبت مكانهما جوهرتين، هل ترى؟ هي أشياء لا تشترى".

الأكثر مأساوية وخطورة، بالمقارنة بين تجربة السنوات الثماني الماضية، ومقبل الأيام، حاضراً ومستقبلاً، هو استعادة الناس للخوف القديم، وإحيائه كمنظومةِ ردعٍ شعبيّ لأي حراك. ومفهوم أن يودي القهر بالإنسان إلى الانتحار، لكن هذا الانتحار الجماعي يقول أمراً أكثر مرارة: إن الشعوب التي لا ترغب بتعلّم دروس الثورات، تذهب لتعلّم دروس الأنظمة، لتصير هي الثورة المضادة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها