آخر تحديث:19:19(بيروت)
الخميس 24/05/2018
share

عن عمرو خالد الذي كنتُ من دراويشه!

إيناس كمال | الخميس 24/05/2018
شارك المقال :
عن عمرو  خالد الذي كنتُ من دراويشه!
مع بداية دخولي المرحلة الجامعية، كان الاستقطاب واضحاً من زملاء من تيارات سياسية ودينية مختلفة، لكني لم أكن ميالة إلى التشدد ولا التسيّب ولا أدعى أني لم أترك فرضاً وقتها، بل كنت أجاهد نفسي كثيراً كما الحال مع الكثيرين، للثبات على الطاعة ونتجنب الشكوك.
كان واضحاً ذيوع صيت، أحد الدعاة في ختام التسعينات يختلف كثيراً عمن كنت أستمع إليهم بصفة مستمرة، أمثال الشيخ محمد حسين يعقوب والشيخ محمد حسان والشيخ أبو إسحاق الحويني غيرهم، ممن كانوا يصرخون ليل نهار في أشرطة الكاسيت ويحذرون طوال الوقت من النار.. ويرون أن المرأة "عورة" ينبغي أن تظل في المنزل، فهذا أفضل للأمة الإسلامية التي تنتظر خروجها حتى تُفتن ولا تعمل ويحدث الكثير من المشكلات ويعم البلاد الخراب.. وأن التلفاز وإن كان يذيع خطبهم فهو حرام كقول أحدهم في حلقة تلفزيونية "لو فاتح التلفزيون عشان تتفرج عليا اقفله".

ما زلت أذكر صوت الشيخ محمد حسين يعقوب وهو يصرخ في أحد أشرطته التي سمعتها رغماً عني في الأوتوبيس قائلاً: "إنت ما بتصليش لييييه؟!" مزمجراً صوته، بطريقة منفرة ومخيفة ثم يسترسل في عقوبات تارك الصلاة والثعبان الأقرع والنار وغيرها.

إلا أن واحداً جديداً كان مختلفاً، إذ لم تكن طريقته منفرة واستطاع أن يجمع حوله الكثيرين ممن تعثروا في طريق الله. ولأني لا أحب التجربة، انصعت لنصائح الأصدقاء، كما كان بداية عصر الانترنت المفتوح، كنا نبحث عنه عبر الانترنت: سلس الطريقة، حلو الأسلوب، لا تختفي ابتسامته، لا يغضب، لا ينفعل، لا يصرخ في وجوهنا ليأمرنا بفروض الله وكانت المساجد في الجامعة وقتما كنت أدرس، تمتلىء بكتيبات تتضمن نصائحه وتُوزّع علينا مجاناً وأشرطة كاسيت تتضمن محاضرات وهي الكلمة التي حلت محل "خطبة" للشيوخ المعروفين.. وكنا نتلقى دعوات لحضورها، لكني لم أحضرها يوماً واستبدلت الدعوة إلى الله بالدعوة إلى سماع محاضراته وطريقته.

كان الداعية عمرو خالد، شاباً في متوسط عمره آنذاك، يتحدث بلباقة عن فروض الله.. لم يكن ضرورياً أن تصلي كافة الصلوات إذا كنت لا تستطيع، كما لم تكن الصلاة يومياً ضرورة وكذلك ارتداء الحجاب إذا كنتِ لا تطيقينه.. وهكذا من الأفكار التي جمعت الشباب أمثالي ممن يحتاجون أسلوباً مختلفاً عن شيوخ السلفية القادمين من الخليج والممتلئة بطونهم بعد الجوع.

بعد فترة وجيزة كانت "CDs" الداعية الجديد، ذي الابتسامة الدائمة، تملأ خزانتي، ويومياً، كنت ألتقي الأصدقاء في الجامعة فيسألونني عن آخر محاضرة سمعتها له، ولا يسألونني عن آخر محاضرة حضرتها لأساتذتنا بالجامعة.

حدث خلاف بيني وبين إحدى الفتيات الزميلات من اللواتي شجعنني في البداية على سماع محاضراته، حينما سألتها "وماذا بعد؟!"، فأخبرتني أنها لم تفهم سؤالي، فكررته بصيغة أخرى "وماذا بعد عمرو خالد؟!"، الشيخ يبسط الدين وييسره وجزاه الله خيراً، لكن ماذا بعد ذلك، فأنا مكثت أياماً وأسابيعاً أصلي صلاة واحدة أو اثنتين في اليوم، ولا أقضي الأيام التي أفطرتها من صيام مفروض وغيرها من الأمور الأخرى.

احتدت الصديقة التي قالت إن الأمر يحتاج إلى وقت طويل، ثم أن عمرو خالد منهجه متكامل لدين أفضل وأيسر، فأوقفتها بسؤال آخر "هل هذا هو الدين فقط؟! هل سأظل عند مرحلة ما لا أتطور عنها أو أزيد؟!"، نقاشنا احتد أكثر فأكثر، حتى أخذت أعيد قراءة كتيباته وسماع  محاضراته بشكل مختلف مرة أخرى.

ولم أكن أحتاج إلى أن أستمع إلى رأيه الساذج بشأن وصلات "الدش" أو الاطباق الهوائية واتهامه لمن يستخدمها أنه يعصي الله بسبب وصلة دش مسروقة. رويداً رويداً، راح الشيخ يتقرب من طبقة الفنانين، فكان السبب في اعتزال العديد من نجمات التسعينات ومطلع الألفية وجزاه الله خيراً أن منع عنا أنصاف المواهب الفنية اللواتي أنهين مسيرتهن الفنية بالزواج من شيوخ بالخليج أو رجال أعمال مصريين وعرب.

ربما كانت الحسنة الوحيدة في تاريخ عمرو خالد هو تلك الجمعية الخيرية التي أسسها والتي كان يجمع لها تبرعات في محاضرات يعقدها للشباب في الجامعات والمراكز الدينية، أو لرجال الأعمال في فيلاتهم وكومباونداتهم الخاصة بعد أن يتقاضى مبلغاً مالياً كبيراً لإلقاء محاضرة عليهم بأسلوبه المرهف.

قامت جمعيته بأعمال كثيرة فتكفلت بمصروفات المتعثرين مالياً في الجامعة، وكفلت العديد من الأيتام، وزوّجت يتيمات وتكفلت بمتاعهن وأمتعتهن، وكانت لها أنشطة أخرى جذبت الآلاف من الشباب حوله، من محبي الخير والذين لديهم طاقة مجتمعية لم يعرفوا كيف يوظفونها بشكل صحيح.

تطور عمرو خالد وتطورت أنا أيضاً بقراءاتي إلى أن وصل الأول إلى مرحلة غير مسبوقة من هداية الناس، عبر عطور تسمو بالروح، ودجاج يرتقي بها في صلوات التروايح. ورغم اعتذاراته المتكررة، وآخرها الاعتذار عن إعلان الدجاج، يبدو ظاهرُه اعتذاراً، لكن باطنه يؤكد على فكرته حينما قال "أنا فهمت بشكل خاطئ" ليلقى باللوم على الناس في فهمه.

لم تنجح هذه الاعتذارات في أن تعيد ما كان، فالداعية المصطنع، بدا وكأنه ظهر ليهدي طبقة اجتماعية معينة، لست منها، لذا لم تنجح كلماته في أن تستمر معي لفترة أطول. واستبدلت شعور الامتنان في محاضراته، بالشفقة والاشمئزاز من الداعية الذي يميع الدين ويطوقه على هواه، تماماً كسابقيه من شيوخ السلفية الذين يطوعون الدين ليكون أكثر تشدداً. وبين هذا وذاك، هناك المئات بل الآلاف من الشباب الذين كفروا بالإثنين، وأنا منهم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

إيناس كمال

إيناس كمال

مُدوِّنة مصرية

مقالات أخرى للكاتب