آخر تحديث:16:07(بيروت)
الثلاثاء 27/02/2018
share

الجنّ الذي عشقني

إيناس كمال | الثلاثاء 27/02/2018
شارك المقال :
الجنّ الذي عشقني
عشت طفولتي في بلدة صغيرة ذات طابع ريفي ممتزج بالتمدن، تناطح العادات من أجل أن تبني مجتمعاً جديداً، فوقعت حائرة بين الأمرين، وما زالت تحاصرها العادات والتقاليد التي تعزو كل سوء إلى حُكم يدٍ عليا هي يد الجان. 
سمعت العديد من التحذيرات من قبيل ألا نصرخ في الحمام أو نغني أو نمرح بصوت عال، وحذار أن نلقي قصاصات الشعر في القمامة أو نترك ملابس بها دماء الحيض من دون غسلها، وألا نأكل أو نشرب في بيوت الغرباء، وألا نسير في أماكن مظلمة أو نصرخ في الظلام أو نلقى المياه الساخنة في حوض المطبخ.

كل هذه التحذيرات وأكثر، كانت تتبعها تحليلات جيوفيزيقية عن عوالم أخرى، عالم من الجن ومخلوقات أخرى قد تؤذينا جراء هذه الأفعال. وانتقام هذه المخلوقات ليس هيناً، أبسطه أن يتلبس أحدها المرء، ليتصرف بدلاً منه ويتكلم بدلاً منه، وربما يمنع الرزق والزواج والإنجاب ويفتح عليه باب المرض.

سمعتُ قصصاً كثيرة عن "فلان" الذي اختفى في ظروف غامضة ولم يظهر ثانية، وقالوا وقتها إن "النداهة ندهته". وعلمتُ في ما بعد أن النداهة الجان، إذا ندهت أحدهم في الظلام ونظر إليها، اختطفته في الحال إلى عالمها السفلي وتزوجته. ولطالما رُيت قصص زوجات كن يرين في أزواجهن وجوه القرود، وللحقيقة وجوههم كانت كذلك. فلم أرَ رجلاً في بلدتي يتزين لزوجته، كل ما عليه أن يفعله هو أن يتحضر بلباسه، ويأتيها وقتما شاء وكيفما شاء، ولا بدّ أن تكون هي جاهزة له في كل الأوقات.

في مرحلة دراستي الإعدادية والثانوية، ولأني تربيت في منزل لم يعرف أفراده إلا المذاكرة والتفوق والدرجات العالية والمراكز المتقدمة على مستوى المحافظة والمدينة، لم يكن يشغل بالي وإخوتي سوى الدراسة، وكان أقل فارق في الدرجات التي نصبو إليها، يعزوه الجميع إلى الحسد أو الجن الذي دخل منزلنا بسبب حذاء كان مقلوباً، أو غناء أحدنا في الحمّام .. وهكذا. وعلى الفور، تبدأ التحصينات والقرآن، خصوصاً المعوذتين لفضلهما الذي لا تنكره نفس في ما خص "التحصين"، إضافة إلى المواظبة على الصلاة، والبخور، والعروسة التي كانت خالتي تصنعها من الورق ثم تثقبها مرات عديدة بالإبرة متمتمة بكلمات لم أكن أفهم منها سوى: "من عين فلان وعين فلانة"، إلى أن تنتهي من كل من نعرفهم، ثم تحرقها وتنثر رمادها بعيداً.
كبرت ودخلت مرحلة جديدة بعنوان: "متى تتزوجين؟ ولماذا لا يوجد عريس إلى الآن؟". كان ذلك في ختام المرحلة الجامعية وما بعدها. تمّت خطبتي، لكنها انتهت بعد فترة قصيرة، ودخلت مرحلة اكتئاب، وقد عرفتُ في ما بعد من خلال البحث والقراءة أنه "كرب ما بعد الصدمة". وطالت المدة، فقال الجميع إن الجان قد سكنني وأذهَب عني العرسان.

كنت أرفض كل من يتقدمون لخطبتي، وكان الأمر يصيبني بالغثيان، إضافة إلى معاناتي مع القولون العصبي. لم ينظر أحد، ولا حتى أنا، إلى الأسباب العلمية والمنطقية، رغم دراستي العلمية البحتة لعلوم الفيزياء والطب والكيمياء التي تعزو كل شيء إلى سبب علمي، إضافة إلى ولعي بالفلسفة التي كانت تدفعني إلى تحليل كل شيء. لكن، مع العادات المترسخة، ينزاح العِلمُ جانباً.

ذات مرة قال لي أحد الشيوخ، وكان إمام المسجد: "يا بنتي ده مش واحد، ده عشيرة، دي عيلة بحالها". وقعت كلماته عليّ كالقنابل داخلي. عشيرة من الجان تسكنني. نصحني بالقرآن وقراءة أدعية خاصة يومياً، لم أواظب عليها.

وفي أثناء زيارتي لإحدى صديقاتي، تعرفتُ إلى إحدى قريباتها والتي كانت تعاني حالة "فصام" بسببها تزور "الشيوخ" منذ 20 عاماً. وهي مقتنعة بأن جنية تقيم معها، تخبرها عن كل شيء حولها، تقلب صوتها من حين إلى آخر وتقول كلاماً غير مفهوم.

نظرت إليّ الخالة، وقالت إن أحدهم بصحبتي. خفتُ، وتشككتُ، حتى أني ذهبت معها إلى أحد الشيوخ، ولم يكن الطريق إليه سهلاً. اضطررنا أن نستقل ثلاث سيارات مختلفة، ننزل من إحداها لنصعد في أخرى، وكانت هي تتنقل بينها في تناغم وسلاسة كأنها تقوم بروتينها اليومي.

وصلنا إلى الشيخ، وهو في الوقت نفسه عطار. قصير القامة، بدين، له لحية طويلة. أجلسني والخالة على كرسيين منفصلين. حان دوري، وضع سجادة الصلاة على رأسي ثم وضع يده فوقها، وضربات قلبي في تصاعد. تمتم بصوت عال بعد قراءته كلمات غير مفهومة "إذا كنت عاشقاً تحرك للأمام، وإذا كنت مسّاً تحرك للخلف، وإذا كنت حسداً تحرك يميناً ويساراً".

تمنيت ألا أتحرك، سمعت كلماته ووجدتني أتحرك يميناً ويساراً وللأمام والخلف. بعد تمتمته، قال لي: "ده عشق". طلب مني أن أكتب اسمَي آدم وحواء على فخذي بقلم أحمر، ثم أعطاني ورقة كتبت فيها عبارات وأدعية لأرددها يومياً، ثم زجاجة مياة أغسل بها وجهي وكفَّي قبل الصلاة، وزجاجة زيت أدهن بها رُكبتيّ مكان السجود وجبهتي وكوعيّ، حتى يخرج العاشق غير مأسوف عليه.

ألحت الخالة أن ندفع شيئاً مقابل المياه والزيت، ولم أفهم كيف أن من يفعل ذلك ابتغاء لمرضاة الله كما قال، يطلب نقوداً، في مياه عادية وزجاجة من زيت الزيتون مخلوطة بالكافور. وبررت الخالة ذلك وقتها بأنه "شيء لله".

ومرّ يوم بعد يوم، ولم يحدث شيء، لا تغيير ولو بسيط. أنا على الحالة ذاتها من الحزن والاكتئاب الذي استدعى، في النهاية، زيارة طبيب نفسي بدلاً من الشيخ. أصلي يومياً وأواظب على دهن الزيت، لكن.. لا شيء. ثم قررتُ أن أمسح "آدم وحواء" عن فخذي، وأنا أشعر بالعته: كيف سيمنع قلم أحمر، لا يراه أحد، غضب الجن؟ وتذكرتُ مقولة الشيخ خالد الجندي حينما تحدث ذات مرة عن الجان الذي يسكن الحمّام فقال: "حمّام ليسيكو بالخلاط إزاي هيكون فيه جن؟".

لكني عدتُ فراوغتُ. من يدري؟ ربما؟ كنت أدهن مرة، وأفوّت الاخرى. لا غضب حدث، ولا زاد العشق ولا نقص، ولم أتغير. أنا على حالي. ثم أوقفت كل شيء تماماً، بعدما تذكرت أن المياه تفقد خواصها التي تكون عليها بعد أيام. وهذه المياه التي قال إنها مباركة وقرئت عليها سورة البقرة، قد مضى عليها أسابيع. كما أن الزيت لا يستطيع أن يمنع جنّاً اخترق الجسد وسكن فيه، حسبما رأى الشيخ. 

وفي إحدى المرات، ذهبت أمي، بعدما يئست من حالتي، إلى أحد الشيوخ وكان قريباً لإحدى قريباتنا من بعيد. شرحت له الأمر وأظهرت له صورتي، وطلب منها على الفور أن يراني شخصياً. وقال إني أقيم بجوار أحد الأولياء الصالحين (كنت أقيم في منطقة السيدة زينب في القاهرة) ولذلك لن يمسني سوء. وقال معلومات يعرفها عني جميع أفراد العائلة. لم أشعر بالانبهار الذي شعرت به أمي فطلبت مني أن آتي لزيارة الشيخ. وجاء ذلك بالتزامن مع قراءتي خبر القبض على شيخ اعتاد اغتصاب الفتيات بحجة إخراج الجان منهن...


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

إيناس كمال

إيناس كمال

مُدوِّنة مصرية

مقالات أخرى للكاتب