آخر تحديث:18:52(بيروت)
الثلاثاء 13/02/2018
share

حينما حرّمتُ الأغاني

إيناس كمال | الثلاثاء 13/02/2018
شارك المقال :
حينما حرّمتُ الأغاني يا للهول.. كان المقرئ عبد الباسط عبد الصمد يحضر حفلات أم كلثوم
يقول المتعبد الصوفي العاشق جلال الدين الرومي "الموسيقى أزيز أبواب الجنّة". على مدار أعوام طويلة ظل الرومي يحارب الكراهية والحقد في قومه، مستعيناً بالحب الإلهي وحده والذي لم ير أن الموسيقى والرقص منفصلان عنه، حتى اخترع رقصة في حب الله.
"الرومي" لم يعش زماننا ولم ير ما وصلت إليه الكراهية في عالمنا، إلا أن أبعادًا أخرى طغت عما وصل إليه الرومي ورفيق دربه الزاهد الصوفي شمس التبريزي.

في المرحلة الجامعية، تعرضت لمحاولات استقطاب من كل تيار ديني على حدة، كنت أقتنع بسهولة بوجهة نظر كل تيار، وكانت ترعبني أحاديث النار للدعاة المتشددين.

أذكر ذات مرة، دخولي عرضاً اكتئابياً، بسبب فتاة منقبة لا تعرفني ولا أعرفها، جلست بجواري في باص متجه إلى الجامعة وأعطتني كتيباً بحجم أصابع اليد. تعجبت منها وابتسمت لها. تصورتُه لأذكار الصباح والمساء، وهو أمر كان معتاداً في الجامعة، من باب "نشر المعروف والنهي عن المنكر". لكني قرأت الكتيب وصدمني، فجميع الأحاديث الواردة فيه تتحدث عن الجحيم والعذاب وأسباب دخول النار. كل شيء حرام. الموسيقى حرام وسامعها يصب في أذنه "الانك –الرصاص" المغلي يوم القيامة. لبس البنطلون حرام. المشي بتمهل في ساحات الجامعة حرام، وكذلك المشي بعجالة، وهكذا، أترك صفحة لأجد الأخرى أكثر منها أحكاماً تخلع القلب خوفاً.
خضت معركة مع إحدى الصديقات المتدينات حول الأغاني التي لم أتوقف عن سماعها منذ طفولتي، إلا بعدما أقنعتني بأنها حرام، مستعينة بذلك برواية عن النبي أنه لم يسمح بالمعازف في بيته إلا لغرض الاحتفال وذلك أيضا كانت له شروط وهو الدف فقط، وتفصل الرجال عن النساء لتغني النساء للنساء فقط والرجال للجنسين ولست أدري إلى الآن، هل تفتن النساءُ الرجالَ، بينما لا يفتن الرجالُ النساءَ؟

بحثت في الإنترنت، لأجد أن 90% من المصادر، لمواقع إسلامية سواء ذات الثقة أم لا، تتحدث عن حرمانية الأغاني وكيف تتعدد أشكال العذاب لمن يسمعها. ورغم صدمتي، قررت خوض التجربة للنهاية ومن باب "من رأى منكم منكراً، فليغيره". حذفت قائمة الأغاني والتي ضمت مئات الأغاني النادرة على الكومبيوتر الخاص بي، ثم ألغيت إعجابي لصفحات المطربين في "فايسبوك"، وحذفت نغمة هاتفي لتصبح على وضع الاهتزاز فقط.

شعرت أن الأمر ليس كافياً، صرت أختار وانتقي المقعد بجوار السائقين في المواصلات العامة، لأضغط عليهم بإغلاق الأغاني وتشغيل القرآن بدلاً منها، سواء كان السائق مسلماً أو مسيحياً، أو يطفئ الأغاني ولا يشغل شيئاً، ثم أتحدث معهم عن حرمانية الأغاني والعذاب الذي يلاقيه يوم القيامة بسببها، والبركة التي تقل في بيته وكيف أنها من أصوات الشياطين وهو بذلك ينجر لها وإن لم يستجب بعد كل محاولاتي، أضع سماعات الهاتف في أذني واستمع للقرآن بصوت عال وأتلو معه.

كما أرسلت لقائمة الأصدقاء في "فايسبوك" والإيميل، أحثهم على ترك الأغاني. خضت مناقشات حادة لإثبات وجهة نظري وحينما لا يقتنع أحد أدعو له بالهداية وأحذفه فوراً، ثم قررت إنشاء مجموعة فايسبوكية لتكون حملة ضد سماع الأغاني وكنت أديرها مع مديرين تعرفت عليهم من متابعتهم للصفحة، أحدهم من سوريا والآخر من السودان، اقتنعا ودعماني وشجعاني وصرنا نحثّ الناس على استبدال الأغاني العاطفية التي تغضب الله بالأناشيد الدينية والقرآن.

ابتعد عني الكثير من الأصدقاء، خوفاً من تشددي أو ربما لشكهم في قواي العقلية. 
في غضون أشهر، انتشرت المجموعة الفايسبوكية ولاقيت تشجيعاً، خصوصاً من الزائرين من السعودية واليمن والسودان، ثم قررت أن تكون الأناشيد التي تنشر عبر الصفحة مصحوبة بدف، رفض المديرون إلا أنني أصريت، فاتهموني بالتمييع واتهمتهم بالتشدد.

بعد فترة، سمعت أغنية للمغني يحيى حوا، صرت أستغفر الله حينما سمعته، لكن الأغنية كانت دينية وهي "حياتي كلها لله"، رددتها مرات، وأعجبتني كلماتها وموسيقاها.

أصبح الشغل الشاغل هو البحث عن توظيف المعازف في الأغاني الدينية، وصار يحيى حوا وماهر زين وسامي يوسف وغيرهم، أصدقائي دائمين، أجد سلواي عن هجر الموسيقى بموسيقاهم، ففي بعض الأحيان كنت أعيد الأغنية مرات، ولا أنتبه للكلام بل للنغمات والموسيقى فيها.

بحث مطول أجريته ووجدت أن شيوخاً ومقرئين، كانوا يغنون في أوائل القرن الماضي، ولم يحدث هذا التشدد والإغلاق المتعمد لكل منافذ الفن بتحريمه إلا مع بداية السبعينيات، فعبد الباسط عبد الصمد، كانت له وصلات غنائية وطقاطيق ومواويل لأشعار قديمة، كما كان يحب حضور حفلات أم كلثوم، وشارك القارئ أبو العينين شعيشع في أفلام مصرية، كما غنى الشيخ زكريا أحمد وأبوالعلا محمد وهم أساتذة كوكب الشرق.

لم أكن في حاجة إلى دليل مادي. استفتيت قلبي، فلا يمكن أن يكون لكل شيء في الوجود نغم، للشجر وللعصافير وللبلابل نغم، ولكافة المخلوقات الحية نغمة موسيقية، بل إن التعبد إلى الله أحد طرقه هو النغم، الترانيم، هي نغم، والمزامير، نغم، بل إن تجويد القرآن الذي يخلج القلوب هو نغم، ومقامات الغناء والموسيقى واحدة "النهاوند، السيكا، الحجاز.. الخ".

بعد فترة وقناعة مما قرأت، عدت أدراجي وألغيت الحملة الفايسبوكية، وأعدت تدريجياً الموسيقى إلى حياتي التي تغيرت تماماً وكأنها تتحول من الأبيض والأسود إلى الألوان المزهرة.

صار صوت أم كلثوم ضيف سهراتي، معلا كوب من الشاي في الشرفة. حالة نشوة ويوفوريا، من الموشحات التي يتغّنى بها علي الهلباوي، نجل الشيخ محمد الهلباوي، وكذلك الشيخ زين. أمر آخر من الحب الصوفي الذي دعا إليه الرومي بعيداً من التشدد والكراهية والخوف من الله قائلاً: "إنهم مشغولون بالدماء، بالفناء.. أما نحن فمشغولون بالبقاء.. هم يدقون طبول الحرب، نحن لا ندق إلا طبول الحب".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

إيناس كمال

إيناس كمال

مُدوِّنة مصرية

مقالات أخرى للكاتب