آخر تحديث:17:52(بيروت)
الثلاثاء 04/12/2018
share

فائض السلطة يلتهم فستان رانيا يوسف

أحمد ناجي | الثلاثاء 04/12/2018
شارك المقال :
  • 0

فائض السلطة يلتهم فستان رانيا يوسف
ليست هذه المرة الأولى التي تقوم فيها مصر ضد فستان ممثلة، أو قُبلة في فيلم، أو مشهد ساخن. لكن ربما تكون حادثة فستان رانيا يوسف، هي الأولى التي تقوم ضدها الدولة بإعلامها، بأجهزتها الأمنية والقضائية والتشريعية البرلمانية، ضد فستان، ولا نعرف لمصلحة من كل هذا الهراء، وعلى من بالضبط يطلقون الرصاص.

في زمن الرئيس المخلوع حسني مبارك، كان من الطبيعي أن تشهد كل دورة لمهرجان القاهرة السينمائي، عشرات الاستجوابات والانتفاضات والدعاوى القضائية ضد فنانات مصر. 

كان نواب "الإخوان المسلمين" بشكل خاص، يركزون على فساتين يسرا ومشاهد أفلامها. وقتها كانت اللعبة مفهومة، ومعروفة أبعادها. النواب "الإخوان" في دور حمأة الأخلاق والفضيلة والشرف، الذي يُراق على جوانبه الدم، والحكومة والنظام ممثلان في هيئة الوزير الفنان فاروق حسني الذي يذهب إلي البرلمان ويدافع عن الفن والتنوير والحداثة والباليه.

يظهر النظام، عالمياً، بمظهر العلماني المنفتح على الآخر، ويحذر الأنظمة الغربية من أن اختفاءه سيتيح لخفافيش الظلام التهام كل شيء.

الآن، هاجر خفافيش الظلام الى الخارج، ودهست الدبابة كل شيء. تم تأميم الفن. حتى أن حدثاً مثل حفلة اختتام مهرجان القاهرة، شهد، بعيداً من الكاميرات، حضور عدد كبير من ضباط الأمن الوطني والقومي والسيادي المسؤولين عن الملف الإعلامي والفني. وفي هذا المناخ، لا يبدو مفهوماً ضد من كل هذه الضوضاء، ولماذا رانيا بالذات.

العنوان العريض للأزمة، أن فستان رانيا استفز مشاعر الجماهير المصرية. لكن الغريب أن شعار دورة مهرجان القاهرة هذا العام، والمعلق في شوارع وميادين مصر، هو سيدة ترتدي فستاناً مشابهاً، يكشف مساحات مساوية لتلك التي يكشفها فستان رانيا، وعلى السجادة الحمراء عبرت نجمات أخريات بفساتين مشابهة. لماذا رانيا إذن؟

 النميمة الفنية تنسج أساطير متنوعة، لا سبيل إلى التحقق منها، وإن كان المشهد كله وطريقة إخراجه توضح لنا هذا النوع من جنون السلطة وبطشها الذي يميز الجيل الشاب من رجال الأمن في مصر، والذين يتولون زمام الأمور وينطلقون بلا قيد أو شرط للبطش في خلق الله بترسانة متنوعة من التهديدات، بداية من ازدراء الأديان وحتى خدش الحياء العام.

أصبح السيناريو المستخدم في كل القضايا، مشابهاً، وهناك خطة جاهزة للبطش بأي شخص، بلا أي سبب سوى تفريغ فائض القوة والسلطة لدى ممثلي تلك السلطة. وأمام غياب أي أهداف سياسية للسلطة الحالية، سوى زرع الخوف في نفوس المصريين، تُترك الحرية كاملة للضباط الصغار، قبل الكبار، للتنفيس عن رغباتهم واستعراض قدرتهم على البطش.

 تبدأ الهجمة دائماً من الصحف والمواقع التابعة للجهات السيادية، وعلى رأسها موقع "اليوم السابع"، رأس الحربة الإعلامية المستخدم في الحملات القذرة. وهو الموقع الذي روّج لصور رانيا يوسف بعبارات تحريضية وسخرية مهينة، رغم أن الموقع ذاته كان ينشر صور فساتين لفنانات أخريات بوصفها "إطلالة جميلة" و"إطلالة مميزة". لكن لدى نشر صور رانيا، تم وضع عنوان "محدش بيلبس أوي إلا لما يقلع اوي". ليتم وضع رانيا في "تريند" السوشال ميديا، وإطلاق الذباب الإلكتروني.

ثم يصدر الأمر من الضابط نفسه الذي أعطى الأوامر لـ"اليوم السابع"، إلى المؤسسات الأخرى. فتصدر نقابة المهن التمثيلية، بياناً عن الأخلاق والفضيلة، وعلى الفور يتحرك المحامون المخبرون لتقديم البلاغات. المحاكم والنيابات التي تمتليء بالبلاغات والقضايا المعلقة، تتحرك سريعاً تحت توجيهات سيادته، ويتم تحديد الجلسة. والضحية، بحسب علاقاتها وحظها، قد تنجو أو لا تنجو من فك القضاء المفترس.

الحملة ذاتها التى قامت ضد رانيا يوسف، قامت ضد موقع "فصلة" الذي اتُهم بإهانة "جواز السفر المصري". بدأت الحملة بالسيناريو عينه: مقالات وأخبار بعناوين ساخنة من "اليوم السابع"، ثم إطلاق الذباب الالكتروني، وتحريك الدعاوى القضائية من قبل المحامين المخبرين، وأخيراً إيقاف الموقع عن العمل بتهمة ليست موجودة في القانون وليس لها منطق "إهانة جواز السفر المصري".

لا أحد يكسب من وراء تلك القضايا، بل يخسر النظام من صورته التى يحاول ترميمها. خبر رانيا يوسف تحول الى "تريند" عالمي (نجد الخبر مثلاً في "فوكس نيوز" و"نيويورك تايمز" الأميركيتين، و"ديلي ميل" البريطانية، وعشرات المواقع حول العالم). فنتخيل قرار السائحة التي كانت تخطط لزيارة شواطئ مصر، للاستمتاع بالبحر والشمس والمايوه، بعد قراءة هذا الخبر. ستغير قرارها خوفاً من سلطة هذه البلاد التي تخشى سيقان السيدات.

لكن لا هَمَّ في رأس السلطة، أو في قاع الهرم من ضباط صغار ويوجهون صحافي "اليوم السابع" يدركون أو يهتمون بهذه الأشياء. فهؤلاء المتنفذون الجدد لا يرون البلد إلا مسرحاً مفتوحاً لهم بلا دستور، ولا قانون، ولا رابط، إلا استعراض قوتهم.. سكارى بقدرتهم على البطش ينجرون خلف أي رغبة طفولية.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها