آخر تحديث:19:33(بيروت)
الجمعة 14/12/2018
share

فلسفة MTV: لغتنا لبنانية وحرفها لاتيني

يارا نحلة | الجمعة 14/12/2018
شارك المقال :
  • 0

فلسفة MTV: لغتنا لبنانية وحرفها لاتيني المعطيات التاريخية التي تعرضها لطّي ليست كافية لإثبات نظريتها الجامحة
في البدء كانت اللغة "اللبنانيي" (أي السريانية)، ثمّ "شوِي شوِي إجت العربية"، فإضطررنا إلى إستخدامها حتى أضحت لغتنا مزيجاً من العربية والسريانية. عليه، فإن اللبنانية ليست مجرّد لهجة وإنما لغة قائمة بذاتها. 
هذه هي النتيجة التي توصلت إليها قناة الـMTV في برنامج "باللبناني" الذي استضاف الباحثة في الحضارات الشرقية ونائبة رئيس "حزب الإتحاد السرياني" ليلى لطي. 

في سياق الحلقة، نوّهت الباحثة بـ"شي كتير حلو"، ألا وهو رفض الموارنة في بادئ الأمر التخلّي عن الحرف السرياني فإستخدموه في كتابة اللغة العربية، ما كان يسمّى بالـ"غرشوني" أي "لغة الغريب" وفق شرح لطي. 

العربية إذاً هي لغة الغريب، ومعيار التصنيف هنا طائفي بحت، بالرغم من تأكيد الباحثة- الذي يصادف أنها سريانية- على إشتراك اللبنانيين من كافة الإنتماءات في اللغة السريانية. إلا أن الإسلام تخلّوا عنها أولاً، لتلحق بهم الطوائف الأخرى، مع الحفاظ على بعض عناصرها وألفاظها لا سيّما من قبل الموارنة.

إن هذه الدعوة الصريحة إلى الإنفصال عن اللغة العربية، بحجّة أنها لا تشكّل جزءاً من هويتنا، ليست بالأمر الجديد في الأوساط اللبنانية، لا سيّما بين أصحاب الفكر الشوفيني المحتقر للثقافة العربية والمتشبث بوهم "فينيئي" منقرض. بالطبع، إستشهدت لطّي بمن دعته "الفيلسوف" سعيد عقل، مؤسس التيار المنادي بهجر الحرف العربي وإحلال الحرف اللاتيني مكانه، وإستخدام اللبناني الدارج بدلاً من العربية الفصحى. 

حلم عقل ببناء "لغةٍ لبنانية" مشوّهة مات قبل رحيل عقل بعقود. فالديوان الذي أطلق فيه حرفه الجديد، في العام 1967، بقي تجربة يتيمة لم يقدم الشاعر على تكرارها، وعاد في أعماله اللاحقة إلى الإبداع باللغة العربية الفصحى. وبالرغم من إستمراره في الدفاع عن "ثورته" اللغوية، يبدو أنه قد أيقن بعدها عن الواقع والعملانية التطبيقية. وبعد قرابة نصف قرن، ها هي الـMTV تنتشل حلم عقل المتلاشي من قبره، آخذةً على عاتقها مهمةً فشل بها أحد شعراء اللغة وأدبائها. 

تنكر الـMTV، كما عقل من قبلها، السيرورة التاريخية لهويتنا الجيو-سياسية ولغتنا المحكية. فالمعطيات التاريخية التي تعرضها لطّي، في صدد حديثها عن تطور اللغة المحكية والمكتوبة في منطقتنا، ليست كافية لإثبات نظريتها الجامحة. إذ تتجاهل لطّي عاملاً مهماً في التمييز بين اللغة واللهجة. فاللغات التي يمكن لناطقيها فهم بعضهم البعض تعدّ لهجات. أما اللغات المنفصلة فهي تلك التي يصعب على متحديثها التفاهم في ما بينهم. يستطيع العرب، من مختلف الجنسيات، التحدث بلغةٍ مشتركة أو على الأقلّ فهمها، في حين أن اللبنانيين لا يستطيعون فكّ الحرف السرياني. 

إلا أن العلّة الأساسية لا تكمن في التفاصيل التقنية للغة، بل في المقاربة المتحيزة للتاريخ، وهي مقاربة فئوية قائمة على إعتبار لبنان مسيحي الأصل. تولي لطّي أفضلية للغة السريانية على العربية بحسب الأقدمية، ذلك أن الدعوات المسيحية سبقت الفتح الإسلامي. لكن هل هذا كافٍ لتحديد الهوية؟ فاللغات تتغيّر وتتبدّل بإستمرار تبعاً للتبادل الثقافي، الهجرات، وحركات الإستعمار. وعليه فإن دراسة هذا التطور تخضع لمنهجيةٍ أنتروبولوجية جدية وموضوعية، بعيداً عن أمنيات التفرّد التي يكنها اللبنانيون، وأوهام الفوقية المستوحاة من ماضٍ متخيّل هو ما يدعى بالماضي الفينيقي.

لا يعقل إذاً التنقيب في الماضي عن وضعيةٍ إجتماعية ومذهبية ولغوية محدّدة، وإختزال تاريخنا وهويتنا الجماعية فيها. خصوصاً حين تقف وراء هذا الإنتقاء التاريخي دوافع من طبيعة طائفية وعنصرية. فلبنان الذي يتوق إليه أصحاب الفكر الفينيفي هو لبنان ما قبل الوجود الإسلامي، ذاك الذي كان ينطق بلغةٍ أضحت شبه منقرضة اليوم (السريانية)، وكان متحرراً من صلاته العربية. لكن قبل الإستعجال في إنكار هذه الصلات وقطعها، هل يتساءل هؤلاء عن فائدة إسقاط عقيدتهم على لغتنا المكتوبة؟ 

فاللبنانيون، بمعظمهم، ينطقون بلسانٍ متلعثم يتحدّث أنصاف لغاتٍ دون إتقان لغةٍ بعينها. أما أولئك الذين يتقنون إحدى اللغات الأجنبية، فإنهم يعانون قصوراً في التعبير ومخاطبة الآخرين. هل يمكن لهؤلاء أن يصيغوا لغة مشتركة، وهم غير قادرين على التواصل في ما بينهم؟ وكيف يمكن للـMTV أن تقود مشروع وضع لغة لبنانية، ونصف الشعب اللبناني لا يستطيع فهم الأحاديث التي تدور في برامجها؟ 

ومن الناحية الفنية، يستهتر أنصار عقل، وشعره الفصيح، بإحدى أكثر اللغات جمالية وشاعرية، لصالح إرساء أجندة معينة. هل يتخيّل هؤلاء إمكانية الإبداع الأدبي بلغةٍ عادية، لا تاريخ لها ولا هوية؟ فالهوية الوحيدة التي يعكسها الحرف اللاتيني الملبنن هي حبّ التماهي مع الغربي الذي يكشف عن ذهنيةٍ دونية مثيرة للشفقة. 

يقول عالم اللغويات السوسيولوجية ماكس واينرش إن "اللغة هي لهجة مع جيش وبحرية". يقصد واينرش بقوله هذا أن الفارق بين اللغة واللهجة هو فارق سياسي لا أكثر. هل وصلت الرسالة الى MTV؟
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها