آخر تحديث:19:06(بيروت)
الخميس 08/11/2018
share

بيروت نارجيلة مشتعلة

محمد حجيري | الخميس 08/11/2018
شارك المقال :
  • 0

بيروت نارجيلة مشتعلة ترامواي بيروت، خط الحرش - البسطة 1955
لا ضوء يأتي من الشارع. المطرُ، بل صوت المطر، جعلني أجلسُ على كرسي الخيزران في صالون بيتي، في ذلك اليوم من كانون الثاني 2013. صوت المطر يجعلني أحلم دائماً، وأنسى هدير اليو بي إس في المطبخ. صوبيا الغاز الرديئة لا تبعث على الدفء، لكني أستمتع بتقليب حبات الكستناء التركي على سطحها حتى تنضج. هي لحظة تحتاج بيتاً هادئاً مع نار الشامينيه وطقوسها. 

أفكرُ بماذا تحلم القطط وهي تنظر إلى أصحابها. باستطاعة المرء أن يقرأ في عيون القطط مسار الزمن، يقدر أن يرى في عيونها أسرار الغرباء في المدن. بودلير كتب أكثر من مرّة عن القطط وعيونها الفوسفورية المشعة، مطابقاً بين سحرها والمرأة، إذ هي الإيحاء الدامغ لفتنتها وعطرها. وغير ذلك، فالقطط لها علاقة غريبة بالزمن والوجود والأبدية... عن الساعة التي كان يراها الصينيون في عيون القطط، كتب بودلير في قصيدة نثرية: "ما الذي تنظر إليه بكل هذه العناية؟ عن أي شيء تبحث في عيني هذا الكائن؟ هل ترى فيهما الساعة، أيها الزائل، المسرف، الخامل؟ سوف أجيبه بلا تردد: نعم، أرى الساعة.. إنها الخلود!".

وكان بورخيس لا ينفك يقتني القطط، حتى أنه كتب قصائد عديدة فيها وكان يراقب تحركاتها ويمعن التفكير فيها. اعتقد بورخيس بأن القطط الأكثر استقلالية بين الحيوانات، وما كان يلهمهُ أكثر هو إحساسه بأنها أزلية ولها أكثر من حياة! القط الأسود، يقول إدغار بو، هو الهيئة التي تتلبسها روح المنتقم. "كان هيام القط بي يزداد بازدياد بغضي له، فكان يتبع خطواتي بثبات يصعب إيضاحه، فحيثما جلستُ، كان يجثم تحت مقعدي، أو يقفز إلى ركبتي ويغمرني بمداعباته المقززة، فإذا نهضت لأمشي أندفع بين قدميّ وأوشك أن يوقعني، أو غرز مخالبه الطويلة الحادّة في ثيابي، ليتسلق إلى صدري، ومع أنّني كنت أتحرّق في مناسبات كهذه لقتله بضربة واحدة". ويواجه بطل القصة، الأهوال بعد أن يقلع عين القط ثم يعمد إلى قتله. تعود روح القط لتنتقم منه، أولاً بأن تدفعه إلى قتل زوجته، ثم باكتشاف الشرطة أمره بعدما دفن زوجته وراء الحائط.

كنت أراقب عيون القطط، أشعر أن حياتنا في المباني، حتى خارج بيروت، أشبه بحياة الصراصير والحشرات والقوارض، أقسى ما لدى المرء هو البقاء في دائرة الاختباء في جيّازة الزمن. يراودني السؤال الفلسفي المقلق: من أكون؟ وأشعر أني حبيس الفضاء، أتصور الفردوس في العلاء: أقرأ الفلسفة، فتفرقع نظرية الحور العين هائمة في التلاشي، ويذهب العقل في التفكير اللامتناهي.

أتحسس الزمن بلا ساعة، أسمع صهيل العاصفة من خلال الكتابة، إنه شتاء 2013، بتّ في أزمة منتصف العمر. قرأتُ التجربة قبل أن أعيشها. أتفادى الكتابة عن العمر لأن في احتساب الزمن مصدر الخوف، بحسب الفيلسوف محمد إقبال، فإن الزمن ليس دورة الفلك بل حالة النفس. وتروي حكايات لبعض الشعوب البدائية، خصوصاً في أفريقيا، أن هبة الخلود السعيدة، والتي تتحقق من خلال عملية بسيطة تتمثل في تغيير الجلد بانتظام في فترات ثابتة، كان يملكها الإنسان، لكنها تحولت منه الى الكائنات الدنيئة نتيجة حدث غير سعيد. ضيّعها بسبب حماقة ما، فاكتسبتها الحيّات وسرطان النهر والسحالي والخنافس... يحاول الكاتب ان يبدّل جلده من خلال الكتابة، يحاول في كل مرة إيجاد جلد جديد، ولكن...

مضى عشرون عاماً على بدئي في الكتابة، ولم أغيّر جلد التعاسة. والآن أحسب أني لم أكتب شيئاً. انتبهت إلى أن ساعة الجدار في الصالون، تتكّ وعقربها لا يتحرك، كانت تلك الساعة الوحيدة في البيت التي اعتدت أن أنظم وقتي من خلالها. في زمن غابر كنت أقيس الوقت بالظلال، وفي لحظة أصبحت الظلال تائهة، بتنا نقيس الحياة بالأوبئة والإسمنت الخرساني والأبراج الزجاجية التي تحجب البحر والسماء.

في المكتبة العامرة بالكتب والخيبات، ثمة أرفف كثيرة لكتب الشعر، لم أقترب منها منذ سنوات، أشعر أن مزاجي يتحلّل، لا قدرة لي على تحمل قراءة قصيدة. وفي ذاكرتي الكثير من حكايات الجَدَّات لكني لم أكتبها، ولا جدوى من كتابتها.
لقد مضت سنتان ولم يتوقف القتل في سوريا، مللتُ القراءة عن الحرب أيضاً. عيون القطط لا تقول شيئاً عن الحرب، أشعر بالعجز عن الكتابة عنها. مضت سنتان على الثورة في مصر، أشعر بالتشاؤم. أنا رجعيّ ربّما. مضت سنتان على رحيل أبي، أشعر بالذنب لأني كتبت عنه ذات يوم على طريقة الأدباء، تطفّلتُ عليه... كل شيء يتحول، ولا شيء يبقى على حاله، سواء في المدينة أو في الكتابة. أرصد الكعبة التي يحج إليها المسلمون، فألاحظ أن الكثير من معالمها أزيلت. أمامي مجموعة من الروايات أشعر أنها تسرق الزمن بلا جدوى، وأمامي أيضاً مجموعة من الصور القديمة لبيروت، أمرر أصابعي على بريق بعض الصور، أمسح الغبار القليل، يظهر لي أن المدينة بلا ملامح الآن، والحياة مرصوصة داخل العلب الإسمنتية. معظم ما أراه في الصور القديمة اختفى، نهر بيروت، مقاهي ساحة البرج، ترامواي شارع بلس، سينما الريفولي، سفوح الروشة، الساحات، زهر الصبار، العصافير.

شيئان ازدهرا في زمني، النارجيلة والأبراج الزجاجية، هذيان التراث وهذيان الحداثة. تخيلتُ بيروت نارجيلة مشتعلة، قرقعة مياهها تثير القشعريرة. لا أعرف لماذا راودني هذا التخيّل، ربما لأني حين أمشي في بعض شوارع بيروت، أشعر أني في غابة من النراجيل، والسماء دخان وأنا أبحث عن الهواء لأتنفس. مع ذلك سكنت في المنزل الجديد، بتّ أشعر أني هنا، بين جدران منزلي، بينما في الحقيقة أنا عالق في مكان لا أنتمي إليه. حين أفكر بالكتابة، تحضر علامات وروائح وابتسامات وتعابير من ذلك المكان الذي غادرته. كأن الكتابة تقول لي لحظة المنفى والتشرّد والغربة، كأني لاجئ في الوجود.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها