آخر تحديث:19:47(بيروت)
الأربعاء 07/11/2018
share

انتصار أميركا وهزيمة المسلمين

نذير رضا | الأربعاء 07/11/2018
شارك المقال :
  • 0

انتصار أميركا وهزيمة المسلمين الشعور بالعار، يجب أن ينتج عن مراجعة لحرب الصومال التي دفعت الهان وعائلتها للفرار
ليس صحيحاً ان فوز الأميركية من أصل صومالي إلهان عمر في الانتخابات النصفية الاميركية، كأول امرأة محجبة تدخل الكونغرس، هو انتصار للاسلام. كما انه ليس "خرقاً في السيستم الأميركي" الذي لم يسجل دخول محجبة في السابق الى الكونغرس، بحسب ما يدّعى مسلمون يتبجّحون بالفوز في مواقع التواصل الاجتماعي. ما جرى هو انتصار للقيم الأميركية التي تكفل التنوع، وحرية الفرد، بينما في المقابل، هو هزيمة مدوية للاسلام، تستوجب من بعض المسلمين، الشعور بالعار، والثناء على التجربة الأميركية. 

والشعور بالعار، يجب أن ينتج عن مراجعة لتجربة الحرب في الصومال التي دفعت الهان وعائلتها قبل 28 عاماً للجوء الى الولايات المتحدة الأميركية. يوم تجاهل المسلمون مآسي دولة اسلامية، غرقت في الحرب، وأنتجت جيلاً من القراصنة يتعرضون للسفن التجارية، كانت الولايات المتحدة تفتح اذرعها لاستقبالهم. 
انتقل هؤلاء الى أميركا حاملين مخاوفهم في بلدهم، وآمالهم في مستقبل أفضل في الوقت نفسه، ولم يتركوا لغتهم وعاداتهم ومعتقداتهم الدينية. مارسوها بكل حرية، وتأقلموا في جو مثالي لانتاج عمال ومتفوقين وطموحين للوصول الى موقع سياسي. وعلى مدى ثلاث موجات من الهجرة الى الولايات المتحدة، أولها في أوائل التسعينيات، وثانيها في أواخرها في عهد الرئيس بيل كلينتون، وثالثها في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، دخل الصوماليون السيستم الأميركي. السيستم التعليمي والثقافي والمهني والحقوقي، ووسّعوا آمالهم لانتخاب سيدة تشبههم، تنطق لغتهم، وتحمل معتقداتهم، وباتت تمثل الآن 250 ألف صومالي يقيمون في ولاية مينيسوتا، وآخرين من داعمي التنوع، ونابذي العنصرية. 

حين هاجرت الهان في العام 1990، في عمر 8 سنوات، كانت بلادها ترزح تحت وطأة حرب أهلية، ومجاعة قاسية تواصلت تداعياتها حتى سنوات خلت. لم يجد الصوماليون الا الحضن الأميركي ليلجأوا اليه، طوال السنوات تلك. وبعد سنوات، بات بعضهم في الشرطة، وموظفين في إدارات حكومية وشركات خاصة، وصولاً الى فوز الهان اليوم في مجلس النواب الأميركي، بعدما كانت قبل عامين أول أميركية من أصل صومالي تفوز بمقعد في مجلس تشريعي للولاية. وتمتّع الصوماليون بمساحة واسعة من الحرية، وفي مقدمها حرية ممارسة المعتقدات الدينية. وللمفارقة، فإن الغلبة في الولاية سياسياً، هي للديموقراطيين. 

وعليه، ما كانت لتفوز عمر لولا تجربة سياسية وبرنامج انتخابي، منسجمين مع تطلعات الناخب الاميركي في ولايتها. وتعد عمر من المعارضين لسياسة ترامب، وقالت في وقت سابق إن "سياسة التخويف" التي يتبعها الرئيس الأميركي، شجعتها على خوض الغمار السياسي والسعي للتغيير. 

أمام هذا الموجز من الوقائع، يصبح فوز إلهان عمر انتصاراً لأميركا وليس للاسلام. لذلك، فإن محاولات المسلمين لمصادرة "الانتصار"، تصبح ضرباً من خيال، وسرقة لانجاز حققته الولايات المتحدة التي أثبتت في الانتخابات الأخيرة، كفالة نظامها للتعددية الدينية والجنسية والعرقية، بدليل فوز امرأتين تمثلان السكان الأصليين، وفوز مسلمتين من المهاجرين، وفوز امرأة مثلية الجنس، ومغنية موسيقى الروك، وهي أصغر عضو في الكونغرس وتبلغ من العمر 29 عاماً. 

هذه الوقائع، هي انتصار للقيم الأميركية، ونتيجة حتمية لسيستم أميركي كفل التنوع ورعاه، وضمنه بنظام تربوي وثقافي. ورغم ذلك، يعبّر مسلمون في مواقع التواصل الاجتماعي عن الفخر بوصول محجبة الى الكونغرس، وكأنه انتصار لهم، وهو ما يثير السخرية، لكنه غير مفاجئ، ذلك ان المسلمين في منطقتنا العربية اعتادوا على التبجح بما لم يصنعوه، والتهليل لما أنكروه.

لو كانت الهان، أو حتى الاميركية من اصل فلسطيني رشيدة طليب، في بلادهما، أو سواهما من النساء، لما وصلن الى ما حققنه أمس في الولايات المتحدة. ثمة ما يقارب المئة امرأة، متنوعات عرقياً ودينياً، دخلن الى الكونغرس، وما زالت دول إسلامية تنتظر تشريعات لخروج المرأة من منزلها "بلا مَحرَم"!
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها