آخر تحديث:16:04(بيروت)
السبت 01/12/2018
share

"سينتمنتالية" مهرّب الألعاب إلى حلب

شادي لويس | السبت 01/12/2018
شارك المقال :
  • 0

"سينتمنتالية" مهرّب الألعاب إلى حلب
كانت السينتمنتالية طريقاً للانخراط مع العالم عبر الشعور لا المنطق، أو هكذا فهمها الكلاسيكيون. ولذا، فلها في فلسفة الأخلاق مدارس باسمها. عند أصحابها، لا يُؤسس الحكم الأخلاقي إلا على العاطفة. فالمنفعة ميزان المنطق، وأي أخلاق مبنية على المنفعة ليست بأخلاق. 
وفي الأدب، كانت السينتمنتالية صفة رائجة، ألصقت بالرومانتيقيين حيناً، وقَبِلها بعضهم برضى. ومع الوقت أضحت عاراً يتبرأ منه حتى الشعراء بسبب "حساسيتها المفرطة". واليوم، يبدو أن الجميع قد نبذها، إما إنصاتاً لصوت العقل، أو رغبة في التحلي بفضيلة الاعتدال. 

حين دانت محكمة فنلندية، رامي أدهم، المعروف بـ"مهرب لعب أطفال حلب" بتهم النصب والاحتيال، فإنها بالطبع لم تشكك في معظم قصته. فقرار الحكم لا ينفي انه كان يحمل بالفعل على ظهره عشرات الكيلوغرامات من اللعب، ويسير بها على القدَمين بالساعات عبر الحدود، وأنه بالفعل وزعها على الأطفال في مناطق كان التجول فيها مخاطرة. 

تقول المحكمة إن أموال التبرعات وصلت حقاً لأطفال حلب، لكن ليس كلها، فأدهم احتفظ ببعض منها لنفسه، كما بالغ في ادعاء إصابته. المأساوي في قصة أدهم ليس فقط في أننا أردنا تصديقها حتى النهاية وأردنا له أن يخرج بريئاً. لكن بالأحرى أن الحكم لطخ بالعار ألوفاً ممن خاطروا بحياتهم طوعاً، ولازالوا، في سوريا وغيرها، في سبيل العمل الإغاثي. يخرج مهرب لعب الأطفال مداناً للأسف، لكن المؤسف أكثر أن أحداً لم يُدِن "سينتمنتالية" قصته. 

ففي "نظام السينتمنتالية الجديد" كما يدعوه "بوديارد"، لا يقف رامي أدهم وحده، فهناك شبكات متراكمة من قصص التسلية الصغيرة المتاحة للاستهلاك العاطفي للجمهور ولماكينة الإعلام الشبقة للقطة "الإنسانية" والمختلطة بالبطولة أحياناً. هناك عازف الكمان الوحيد بين الخرائب التي خلفها قصف بعد آخر، والمهرج الذي مازال يُضحك الأطفال بين دوي المعارك، والمرأة التي تعتني بالقطط التي هرب أصحابها طلباً للجوء. وهناك قصص أقل تراجيدية من هذا، لكنها لا تقل سينتمنتالية، رقصة البالية أمام مكتب وزير الثقافة المصري، والمتظاهر الفلسطيني الذي يلبس قناع "الرجل الوطواط" في المواجهات على حدود غزة، ودروس اليوغا وعيادة الحيوانات في اعتصامات "تقسيم". 

المعضلة إن سينتمنتالية من هذا النوع من الصعب شجبها مرة واحدة وببساطة. يدينها بودريار حين يقول إنها "تتيح للمترفين أن يكونوا مستهلكين برضا كامل لمشاهد الفقر والكارثة، ومشهد التحرك لتخفيفها". لكن يونغ كان قد ذهب، قبله، أبعد من هذا: "السينمنتالية هي البنية الفوقية للوحشية. فالتبلد هو العرض العكسي، للخلل نفسه". 

يذكرنا يونغ هنا بهذه العلاقة البديهية والصادمة، بين الحرب وتفجر مشاعر "الإنسانية" لدى البعيدين عنها. لكن لعل تلك الحجج جميعها تسقط في فخ العدمية، وتشجب العمل الإنساني، ومشاعر التعاطف المرتبطة بها في المجمل، وعلى إطلاقها.

تأتي الإدانة الأكثر حصافة وإنصافاً من أوسكار وايلد، وهو يكتب بنبرة ساخرة: "السينتمنتالي هو الذي يرغب في ترف العاطفة لكن من دون دفع ثمنها". ليست الإشكالية في الاستهلاك بالضرورة، بل في الثمن. هكذا يبدو حقاً أن ترف المشاعر المجاني هو الوجه الآخر للتبلد. بالطبع يثير تقرير تلفزيوني عن تهريب لعب الأطفال العواطف أكثر من تقرير عن تهريب الوقود، وصور عازف الكمان الوحيد تحمل مسحة تراجيدية ممسرحة لا يمكن لصور موظفي الإدارة المدنية في مكاتبهم المحطمة أن تحملها، أما حركات المهرج فكافية لانطلاق ضحكات المشاهدين البعيدين مختلطة مع دموع التأثر. 

تطمئن كل تلك الصور والقصص، جمهورها البعيد، بأن هناك شيئاً "إنسانياً" وسط كل هذا الخراب، وأن المأساة في جانب منها تكشف عن "الجمال"، وعن جلال الصمود. 

عشرة يوروهات أو أقل كفيلة بأن تؤكد لنا ان كل شيء على ما يرام، الأطفال يلعبون بـ"باربي" في حلب، وغيرهم يشاهدون المهرج ويضحكون بين الخرائب المهدمة، والقطط الضالة هناك تتمتع بوجبات صحية، رغم كل شيء، والبعض يسمع الموسيقى الحية في الشوارع بين غارة وأخرى. ستنجح تلك المشاهد كالعادة في أن تستدر كثيراً من الدموع، وبعض زفرات من التعاطف أو شهقة من الانبهار بتلك البطولات الصغيرة. وسيشعر المشاهد بالرضا، عن نفسه، وعن العالم، وعن الإنسانية التي تنتصر في النهاية وتبرق لمحات منها وسط كل تلك الوحشية. 

ربما سيستأنف "مهرب حلب" الحكم لاحقاً، وينجح في إثبات براءته، وربما لا. لكن هذا لا يهم كثيراً. فـ"نظام السنتمنتالية الجديد" ما زالت ماكينته الشرهة والكسولة تستدر الدموع، وتحول أي رغبة في الفعل إلى مجرد لامبالاة مشحونة بالعواطف. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها