آخر تحديث:21:00(بيروت)
الخميس 29/11/2018
share

بيار لوكورف: الناشط الفرنسي "الإنساني".. وبوق النظام السوري

وليد بركسية | الخميس 29/11/2018
شارك المقال :
  • 0

بيار لوكورف: الناشط الفرنسي "الإنساني".. وبوق النظام السوري
ربما لا يكون اسم بيار لوكورف معروفاً للكثيرين، في سوريا أو حتى في بلده الأم فرنسا، فالناشط "الإنساني" المقيم في مدينة حلب السورية منذ العام 2016، رغم تقديمه البروباغندا الموالية للنظام السوري عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لم يحظ بشهرة أسماء مماثلة له، كالصحافية البريطانية فانيسا بايلي على سبيل المثال.


واعتمد النظام السوري على لوكورف، في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، للترويج لرواية استخدام فصائل معارضة للأسلحة الكيماوية في حلب، فظهر في مكان ما من المدينة تملأه الأنقاض، في مقطعين، الأول بالفرنسية والثاني بالانجليزية، تحدث فيهما عن استخدام "الجماعات الإرهابية" المتكرر للأسلحة الكيماوية وغيرها من الأسلحة منذ سيطرة النظام السوري على حلب العام 2016 بعد اتباعه سياسة الأرض المحروقة هناك. كما قال لوكورف أن هجوماً كيماوياً آخر سيحدث في إدلب قريباً، متهماً المعارضة بالتحضير لذلك، من دون الإشارة بالطبع إلى أن تلك "التكهنات" ليست معلومات دقيقة بقدر ما هي تحذيرات يقوم بها النظام عبر أدواته الدعائية قبيل أي هجوم يحضر له.




وفيما دعت وزارة الدفاع الأميركية "بنتاغون"، روسيا والنظام السوري، لعدم العبث بمكان الهجوم المزعوم، على غرار ما حصل في أماكن هجمات كيماوية سابقة تم التأكد من حدوثها في مناطق معارضة كدوما وخان شيخون، لم تشر أي تقارير رسمية من الأمم المتحدة أو منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى لجوء جماعات المعارضة السورية لاستخدام ذخائر سامة محظورة، باستثناء استخدام تنظيم "داعش" غاز الخردل مرة واحدة فقط، فيما توصلت التحقيقات لاستخدام قوات النظام السوري لغازي الكلور والسارين عدة مرات خلال الحرب المستمرة في البلاد منذ العام 2011.

وهنا كان لوكورف شاهد النظام الأساسي على الهجوم، فتم تداول "شهادته" في وسائل الإعلام الموالية للنظام وفي صفحات موالية في مواقع التواصل الاجتماعي، بوصفها دليلاً على كذب المجتمع الدولي بشأن النزاع في سوريا. ويصبح لوكورف هنا صوت الضمير الغربي الذي يحتاجه النظام للحصول على مصداقية ما أمام جمهوره. ورغم أن الغرب هو "الشر المطلق" في الدعاية الأسدية، لكن المثير للسخرية أن وسائل الإعلام التابعة للنظام السوري وحلفائه، تستند باستمرار على شهادات من خبراء وصحافيين "غربيين" لتأكيد "مصداقيتها". لكنّ هذا التناقض في شتم الغرب من جهة، والاستماتة في الاعتماد عليه من جهة ثانية، ليس عشوائياً، لأن النظام يدرك أنه فاقد للمصداقية ويحتاج بالتالي إلى "جهات محايدة" تتبنى موقفه، بغض النظر عن دقة المعلومات التي يتم بثها.

وإن كانت فانيسا بايلي تقدم نفسها كصحافية مستقلة وناشطة إعلامية تبحث عن "الحقيقة" ضد "الأخبار الكاذبة"، فإن الدعاية التي يقدمها لوكورف مختلفة تماماً في الأسلوب رغم تطابق المحتوى بينهما. إذ لا يطرح لو ورف نفسه كناشط إعلامي يمثل "أجندة" يدافع بها عن وجهة نظر طرف سياسي ما، بل كناشط إنساني مهتم بمساعدة الناس في مواجهة الحرب و"الإرهاب" الذي تمثله المعارضة.

والحال أن لوكورف (28 عاماً) بات فجأة ناشطاً مهتماً بالشأن السوري. ففي بداياته أسس عدداً من المبادرات لدعم السينما والتي لم تحظ بانتشار واسع، وكان يتحدث في عدد من المقابلات عن "شغفه" السينمائي، وبعد ذلك أسس منظمته غير الحكومية "We Are Superheroes" من أجل مساعدة الناس حول الكوكب وإيصال قصصهم للعالم، وزار عدداً من الدول الأفريقية ودول النزاعات لتقديم قصص "كليشيه" حول الإنسانية والحب والسلام. لكنه ظهر في آذار/مارس 2016 في لبنان، وتحدث بشكل ضبابي عن عدم معرفته بالمنطقة ككل. ثم قام برحلة عبر سوريا، وثقها بمنشورات في السوشيال ميديا، تظهر صور رئيس النظام بشار الأسد والأمان في مدينة معلولا "المسيحية" وغيرها من أساسيات الدعاية الرسمية الموجهة للغرب.

مشاهدة فيديوهات لوكورف ومنشوراته بشكل متتال، تحيل تلقائياً إلى شعور بالدراما، كل شيء يبدو مضخماً ومبهرجاً، حتى حالات الموت والمأساة المفترضة، وقد يرتبط ذلك بـ"الشغف السينمائي" الأصلي للوكورف، والذي يمكن ملاحظته في قصة طفولته التي يرويها في مقابلة صحافية العام 2014، حول الفقر الذي عرفه وجعله يتسول في سن الثانية عشرة مع جده، في حكاية درامية أشبه بحكايات تشارلز ديكنز، والتي لا يمكن التأكد من صحتها، خصوصاً أنها قد لا تتفق مع التعليم الذي حظي به لوكورف لاحقاً في المدارس والجامعات الفرنسية، بدلاً من متابعة حياة التشرد.

إلى ذلك، تُلاحَظ تناقضات عديدة. فيتحدث لوكورف مرات عن كيفية مساعدته للناجين والمدنيين رغم عدم امتلاكه أي خبرات طبية، ثم يقدم نفسه كممرض، في منشور في "فايسبوك" في آذار/مارس 2016، وهي مهنة لا يذكرها في سيرته الذاتية الحافلة بالنشاطات التطوعية في "لينكد إن". كما يتحدث عن قيامه بالتدريس في حلب رغم عدم تحدثه اللغة العربية، علماً أن لوكورف في كل منشوراته، لا يتحدث عن نشاطه الإنساني مباشرة، بل يشكل ذلك النشاط المزعوم خلفية ينطلق منها لتوصيف الحرب في سوريا، وبرز ذلك في لقاء مصور أجراه مع قناة "فرانس2" الفرنسية العام 2016، وتحديداً هجومه على بعض المدنيين في أحياء حلب الشرقية الذين تحدثوا خلال اللقاء عن هروبهم من القصف اليومي الذي قامت به قوات النظام هناك، ليحرف لوكورف الحديث نحو قصف المعارضة لتلك الأحياء.

وتجب الإشارة إلى أن النشاط الإنساني الذي يقدمه لوكورف، متحيز في طبيعته، فمساعدة طرف واحد في أي حرب، ليست عملاً إنسانياً بقدر ما هي تحيز، ويصبح الأمر أسوأ عند استغلال المدنيين من الطرفين، لبث مواد دعائية. وفيما لا توجد أي إشارة لمصادر تمويل لوكورف، إلا أن احتمال تمويله من طرف النظام السوري ليس مستبعداً، وإن كان التمويل الروسي أكثر واقعية، حيث بات نمط تمويل الناشطين "المستقلين" المناهضين لقيم الديموقراطية في المجتمعات الغربية، نمطاً متكرراً في سياسة الكرملين في السنوات الأخيرة، بما في ذلك حركة "فايف ستارز" الشعبوية المتطرفة في إيطاليا على سبيل المثال، وحركات اليمين المتطرف في دول أوروبية مختلفة.

رغم ذلك، لا يخفي لوكورف صلاته مع منظمات تنتمي لليمين المتطرف في فرنسا وتتحدث باستمرار عن دعم النظام السوري والكرملين، وبالتحديد منظمة "SOS chrétiens d’orient" التي يمتلكها ناشطون من اليمين المتطرف الفرنسي، مثل بنيامين بلانشار وشارل دو مير وداميان ريو. وتحدث لوكورف عن ذلك بشكل صريح عند وصوله إلى لبنان في آذار/مارس 2016، عندما قال أنه حصل على الفيزا لزيارة سوريا بفضل جهود تلك المنظمة، حسبما أشارت وسائل إعلام فرنسية.

ويجب القول أن طروحات لوكورف سامة وخطيرة، لكونها تشكك من جهة بمصداقية كافة الصحافيين والإعلاميين والناشطين، ليس في سوريا فقط، بل في كل العالم، في عصر الأخبار الكاذبة الذي توَّجه وصول دونالد ترامب للبيت الأبيض العام 2016. وهنا يكرر لوكورف الخطاب نفسه، القائم على مهاجمة وسائل الإعلام الكبرى في الدول الغربية، بوصفها شريكة للأنظمة السياسية الغربية في المؤامرة على سوريا، وفي المؤامرة على الشعوب الغربية نفسها. ومع تتبع هذه السردية، ينحرف لوكورف تدريجياً نحو العداء للديموقراطية كالحركات المعادية للديموقراطية "Anti-Establishment".

في ضوء ذلك، يضع النظام نفسه، عبر شخصيات مثل لوكورف، ضمن محور عالمي مقاوم للديموقراطية الغربية بوصفها "سلعة معولمة"، وينادي بحرية مصادر المعلومات البديلة "Alternative News" في العالم، ويعني بذلك مصادر "الأخبار الكاذبة" الممولة من الكرملين مثل "المصدر نيوز" المهتم بالشأن السوري، ومئات المواقع التي باتت سلاحاً روسياً لمهاجمة الديموقراطيات حول العالم، والتي ساهمت في انتخاب رؤساء شعبويين متطرفين مثل دونالد ترامب في الولايات المتحدة، وحتى في تصويت البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروبي، والتي تسهم في تلميع صورة أنظمة دكتاتورية وسلطوية من سوريا إلى أوكرانيا.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها