آخر تحديث:19:04(بيروت)
الأربعاء 28/11/2018
share

الإعلام الفرنسي يترجم "السترات الصفراء" في الصناديق الأوروبية

حسن مراد | الأربعاء 28/11/2018
شارك المقال :
  • 0

الإعلام الفرنسي يترجم "السترات الصفراء" في الصناديق الأوروبية سعت "لوفيغارو" إلى استشراف استراتيجية ماكرون الانتخابية
لم تسترعِ كل الفيديوهات التي انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي حول الاشتباكات التي اندلعت، السبت الماضي، بين الشرطة الفرنسية وأعداد من المحتجين على سياسة الحكومة الاقتصادية، في جادة الشانزليزيه، كل الاهتمام. بات واضحاً أن هذه الحركة تحولت إلى عنوان تتقاطع عنده محاور ثلاثة: الواقع المعيشي للفرنسيين، الكباش السياسي الداخلي وانتخابات البرلمان الأوروبي، وذلك بعيداً من صحة الاتهامات السياسية الموجهة "للسترات الصفراء".

ورغم تراجع أعداد المتظاهرين إلى النصف ما بين الدعوة الأولى والثانية (وفقاً لتقديرات وزارة الداخلية)، إلا أن تغطية الصحف الفرنسية لحركة "السترات الصفراء" تضاعفت كثيراً، إذ لم ترَ فيها مجرد حركة مطلبية، بل انعكاساً لمخاض اقتصادي - سياسي داخلي إضافةً إلى مباشرة الأحزاب الفرنسية استعداداتها لخوض انتخابات البرلمان الأوروبي من بوابة "السترات الصفراء".

أول ما أثار اهتمام الرأي العام الفرنسي أن السواد الأعظم من المتظاهرين، من غير الباريسيين، بل من سكان الأرياف والمناطق المحيطة بالمدن الكبرى، والذين لا يجنون ثمار عولمة الاقتصاد وفتح الأسواق. كما تسجل مناطقهم تراجعاً في الخدمات العامة، ما يفسر سخطهم المتراكم الذي انفجر مع رفع أسعار المحروقات، وهو ارتفاع يطاولهم بشكل كبير لا سيما مع غياب النقل العام في مناطق إقامتهم.

هذا الواقع عكس آلية اتخاذ القرار الحكومي، وتحديداً آلية تهميش مناطق جغرافية لصالح أخرى، وإعطاء امتيازات لفئات دون غيرها. في هذا الصدد، حمل توجه المتظاهرين إلى جادة الشانزليزيه رمزية كبيرة، أرادوا من خلاله إثبات وجودهم من على هذه الجادة التي تضم المحال التجارية لأشهر الماركات العالمية.

واهتمت الصحف الفرنسية بتسليط الضوء على الانعكاسات السياسية لهذا الواقع الاقتصادي فعنوت "لوموند" أحد مقالاتها  "هل تزدهر الشعبوية من نقص الثقافة الاقتصادية؟". وبمجرد تناول المسألة من هذه الزاوية، أصبح لزاماً البحث عن الجهة السياسية المستفيدة من حركة "السترات الصفراء". فانصب الاهتمام على اليمين المتطرف، وبدرجة أقل على اليسار المتطرف. واستندت الصحف في كلامها إلى طبيعة الشعارات التي هتف بها المتظاهرون، كما الفيديوهات التي تُظهر تعامل "السترات الصفراء" بعنصرية مع أفراد من أصول أجنبية.

إلا أن أكثر ما أشعل الجدل في هذه الجبهة، كان كلام وزير الداخلية كريستوف كاستنير، عن تلبية المتظاهرين لنداء مارين لوبان، ما دفع برئيسة التجمع الوطني إلى الرد عليه في تغريدة وصفت فيها تصريحه بالتضليلي، متهمة إياه باستغلال المظاهرات للتصويب عليها.  

من جهته رد جان لوك ميلانشون، مرشح اليسار المتطرف للانتخابات الرئاسية الأخيرة على كاستنير، معتبراً أن محاولته إضفاء صبغة يمينية متطرفة على هذه المظاهرات تجافي الحقيقة، فبرأي ميلانشون تعبر هذه الحركة عن الإرادة الشعبية. هذا التراشق السياسي عكس محاولة كلٍ من اليسار واليمين المتطرفين لتوظيف السخط الشعبي لصالحهما، كما أن إتهام كاستنير لليمين المتطرف بافتعال الاشتباكات هو للحؤول دون تمكن معارضي الحكومة من الإمساك بالشارع وما يعنيه ذلك من تسجيل نقاط سياسية. 

في ظل هذه الأجواء، أتى المؤتمر الصحافي للرئيس إيمانويل ماكرون، أمس الثلاثاء، والمخصص أساساً لعرض استراتيجية في مجالي الطاقة والبيئة. كما كان متوقعاً، لم يتراجع الرئيس الفرنسي عن قرار زيادة أسعار المحروقات، بيد أنه استعجل إنشاء المجلس الأعلى للمناخ الذي ستوكل إليه مراقبة السياسة الحكومية، حتى يوازن بين الاستجابة للمعايير البيئية والتخفيف من انعكاساتها السلبية على جيوب الفرنسيين.

إعلان ماكرون لم يلقَ الاستحسان المطلوب، إذ إتُهِم بتقديم حلول بيئية لمطالب اجتماعية. واعتبر مدير عام منظمة غرينبيس في فرنسا، عبر حسابه في تويتر، أن فرنسا ليست بحاجة لهيئة جديدة بل لدخول السياسات البيئية حيز التنفيذ، في إشارة إلى أن إنشاء هذا المجلس ليس أكثر من خطوة استعراضية.   

لفهم تمسك ماكرون بقراره هذا، ومحاولته نقل الصراع والنقاش إلى المجال البيئي، لا بد من النظر أبعد من حدود فرنسا. فعلى مسافة ستة أشهر من انتخابات البرلمان الأوروبي، يدرك الرئيس الفرنسي انخفاض شعبيته، ويخشى بذلك أن يتحول تصويت الفرنسيين في هذه الانتخابات إلى ما يشبه الاستفتاء عليه، فتتصدر لوائح الأحزاب الفرنسية المناوئة للشراكة الأوروبية. وعلى اعتبار أن فرنسا تشكل العصب السياسي للاتحاد الأوروبي، لا يخفي ماكرون قلقه من أن تشكل النتائج الفرنسية انتكاسة إضافية للاتحاد لا سيما بعد مصادقة المجلس الأوروبي على اتفاق البريكست الأحد الماضي. 

لذا يتمسك الإليزيه بخطاب بيئي استناداً إلى استطلاعات الرأي التي تشير إلى أن السياسة البيئية ستلعب دوراً محورياً في خيار الناخبين. وما يؤكد خشية ماكرون آنفة الذكر، سعيه لتشكيل لائحة تجمعه مع وسط ووسط اليسار الداعمين للشراكة الأوروبية.

ولم تكن الصحف الفرنسية بعيدة من هذا المزاج، فإضافةً إلى توظيف الاحتجاجات في المعادلة السياسية الداخلية، كانت "لوفيغارو" من بين الصحف المدركة لإمكانية ترجمة سخط الفرنسيين في صناديق الاقتراع الأوروبية، فسعت إلى استشراف استراتيجية ماكرون الانتخابية معنونةً "السترات الصفراء، من الاحتجاجات الاجتماعية إلى المناورات السياسية".

كما أن إتهام اليمين المتطرف بالوقوف خلف "السترات الصفراء" دفع بالصحافة لتناول الموضوع في سياق أوروبي، فتساءلت Le Figaro عن النقاط المشتركة بين "السترات الصفراء" وحركة النجوم الخمس الإيطالية، فيما عنونت Libération: "أوروبا إزاء خطر الفاشية". صحيحٌ أنها لم تأتِ على ذكر "السترات الصفراء" في هذه المادة، إلا أن نشرها في هذا التوقيت يدفع لا إرادياً للربط بين المشهدين: الفرنسي والأوروبي. 

منذ السبت الماضي، والشارع الفرنسي يعيش حالةً من الترقب لما ستؤول إليه الأمور خاصة مع توجيه حركة "السترات الصفراء" دعوة، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، للتظاهر هذا السبت للمطالبة باستقالة ماكرون، رغم نفى القيمين على الحركة علمهم بها. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها