آخر تحديث:20:19(بيروت)
الأربعاء 21/11/2018
share

#اهلا_بكم_في_فرنسا.. لكن عليكم أن تدفعوا!

حسن مراد | الأربعاء 21/11/2018
شارك المقال :
  • 0

#اهلا_بكم_في_فرنسا.. لكن عليكم أن تدفعوا! ا زالت بعض التفاصيل العملانية لهذا القرار غير واضحة المعالم، لا سيما إذا ما كان سيطال الطلاب اللاجئين
في بيئة معولمة، تسعى فرنسا جاهدة لاستقطاب حصة وازنة من سوق "الطلاب الأجانب". لكن جهودها لانجاز هذا الهدف، اصطدمت بمقاربتين مختلفتين لهما أبعاد سياسية. الأولى تتمثل في مخاطبة اليسار عبر استدعاء الطلاب الأجانب وفق خطة تمتد للعام 2027، ومخاطبة اليمين عبر زيادة الكلفة على الطلاب الأجانب، وهو ما أثار موجة مخاوف وردود أفعال، تم التعبير عنها في مواقع التواصل الاجتماعي وقاربتها وسائل الاعلام من وجهات نظر مختلفة. 

لا تخفي وسائل الإعلام الفرنسية أن الطلاب الأجانب انخفض عددهم بنسبة 8% مقارنة بالعام 2010، وتراجعت فرنسا إلى المركز الرابع عالمياً. مؤشرات غير مُرضية للحكومة الفرنسية، ما دفع برئيس الوزراء إلى إطلاق خطة عمل تهدف إلى رفع عدد الطلاب الأجانب إلى 500 ألف طالب بحلول العام 2027، بدلاً من الـ300 ألف طالب الذين تستقبلهم فرنسا كل عام. إلا أن عدداً من بنود هذه الخطة أثارت حفيظة النقابات الطلابية والصحافة.  

يوم الاثنين الماضي، كشف رئيس الوزراء ادوارد فيليب، النقاب عن استراتيجيته الخاصة باستقطاب مزيد من الطلاب الأجانب والتي حملت اسم Bienvenue En France (أهلاً بكم في فرنسا). تسهيلات كثيرة ستتوافر للراغبين بإكمال دراستهم الجامعية في الكليات الفرنسية، من مكننة التأشيرة إلى مضاعفة دورات اللغة الفرنسية وزيادة السكن الجامعي.

إلا أن ما أثار الاستغراب والاستهجان هو قراره زيادة رسوم التسجيل للطلاب غير الأوروبيين ابتداء من العام الدراسي المقبل. فبعدما كانت الرسوم تبلغ 170 يورو للبكالوريوس، و243 لطلاب الماجستير والدكتوراه، سيتوجب عليهم تسديد 2770 يورو سنوياً في مرحلة البكالوريوس و3770 يورو للدراسات العليا. 

لتعليل هذه الخطوة، اعتبر فيليب  أنها ستوفر التمويل اللازم للمنح التعليمية المنوي مضاعفتها ما يسمح في نهاية المطاف باستقطاب عدد أكبر من الطلاب الأجانب المتفوقين. كما قال إنه من غير العدل أن يترتب على الطالب الأجنبي المقتدر مادياً الرسوم نفسها التي يسددها الطالب الفرنسي غير المقتدر والذي يدفع أهله الضرائب منذ سنوات. 

 كان واضحاً أن الطلاب غير الأوروبيين، لا سيما العرب منهم، لم يحفظوا من خطة إدوارد فيليب سوى رفع الرسوم. ففرنسا هي الوجهة التعليمية المفضلة للكثير من الطلاب العرب ذي الخلفية الفرانكوفونية كاللبنانيين والمغاربيين، فاستغلوا الهاشتاغ الذي أطلقه رئيس الوزراء الفرنسي BienvenueEnFrance#  لينشروا تغريدات تعبر عن سخطهم واستغرابهم من هذا القرار. 

غالبيتهم الساحقة تساءلت كيف سيزداد عدد الطلاب غير الأوروبيين في فرنسا، بموازاة رفع الرسوم الجامعية، معتبرين أن في الأمر تناقضاً مع الأهداف الذي حددها فيليب. برأيهم، حتى لو تضاعفت المنح التعليمية التي سيستفيد منها غير الأوروبيين، إلا أنها لن تعوض انخفاضهم الكلّي. وطالب آخرون الأخذ في الاعتبار حال الذين لم يتمّوا دراستهم بعد، طلاب بات مستقبلهم في خطر بفعل هذا القرار.

تغريدات أخرى تهكمت على جدوى هذه الخطوة، معتبرة أن فرنسا ليست بالضرورة الوجهة المفضلة للمقتدرين مادياً غامزين من واقع أن الكلفة المنخفضة للتعليم الجامعي هي عامل جذب لغير الأوروبيين. فيما حاول آخرون اللعب على وتر الفرانكوفونية، فغردوا أن أعداداً من الطلاب غير الأوروبيين أقرب إلى الثقافة الفرنسية من غيرهم في إشارة إلى أنه من غير المنطقي إقفال أبواب فرنسا في وجوههم. 

وأجمعت التغريدات على أن هذا الاجراء سيعيق تحقيق الأهداف التي تبنتها خطة رئيس الوزراء. وما أثار حفيظة هذه الفئة الطلابية هو كلام فيليب عن الطلاب المقتدرين مادياً. كلام يجافي الواقع في رأيهم، وعددوا في تغريدات ما يترتب عليهم من أعباء تفرضها عليهم غربتهم. 

وسعى آخرون إلى إعطاء المسألة بُعداً أعمق يتعدى النقد الموجه لخطة فيليب. فطرحوا تساؤلات عما بقي من قيم فرنسا في ما يخص المساواة، متسائلين لماذا لا ينطبق الأمر على الفرنسيين ميسوري الحال وطالبوا الحكومة بالإصغاء للمطالب الاجتماعية والعمل على تحقيقها بدلاً من الهروب إلى الأمام بهذه الاستعراضات غير المجدية. 

من جهتها اعتبرت النقابات الطلابية أنه ليس من واجب هؤلاء الطلاب تحمل غياب التمويل المطلوب للقطاع التعليمي. 

ولم تبتعد الصحف الفرنسية عن هذا المناخ. صحيحٌ أنها سلطت الضوء على كل ما ورد على لسان إدوارد فيليب، إلا أنه كان واضحاً، من تغطيتها لهذا الموضوع، أن أكثر ما استحوذ على اهتمامها هو قرار رفع رسوم التسجيل إذ اتخذ كعنوان لغالبية المواد، إضافة إلى الاستفاضة في عرض حجج جميع الأطراف. 

كما سعت صحف إلى استشراف ما يخفيه هذا القرار. فصحيفة "لوموند" رأت فيه تحولاً في الأهداف الحكومية سواء لإعطاء الأفضلية للاختصاصات العلمية على حساب العلوم الإنسانية، وزيادة التركيز على استقطاب طلاب ذو خلفية انغلوساكسونية أو القادمين من الدول الناشئة (الهند، الصين ...) على حساب الدول الإفريقية (المغرب، الجزائر، تونس، ساحل العاج، السنغال ...).     

ما زالت بعض التفاصيل العملانية لهذا القرار غير واضحة المعالم، لا سيما إذا ما كان سيطاول الطلاب اللاجئين (كالسوريين) أو سيستثني الطلاب الذين لم ينهوا تعليمهم. إلا أنه يبقى مؤشراً قوياً على النهج الحكومي على المستوىين السياسي والاقتصادي.

اقتصادياً، يبدو واضحاً أن العهد الماكروني يحاول تعزيز الحضور الاقتصادي لفرنسا من دون تحميل الخزينة اعباء إضافية. أما على المستوى السياسي ومع اقتراب انتخابات البرلمان الأوروبي، تسعى الحكومة الفرنسية لعدم استفزاز أي فئة ناخبة. ففتحُ أبواب فرنسا لعدد أكبر من الطلاب الأجانب، يستهوي اليساريين، فيما تتكفل زيادة الرسوم التسجيل باستقطاب ناخبي اليمين واليمين المتطرف الذين ينظرون للطلاب الأجانب، أولاً، على أنهم عبء على الخزينة الفرنسية طوال سنوات دراستهم الجامعية، ثم كأيدٍ عاملة منافسة في السوق المحلية. لكن تركيز الإعلام على زيادة الرسوم الجامعية من دون غيرها من الإجراءات سيدفع بخطة فيليب لأن تلقى صدى إيجابي أكبر لدى الفئة الأكثر يمينية المطالبة بالأولوية الوطنية.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها