آخر تحديث:18:26(بيروت)
الأربعاء 31/10/2018
share

هكذا صار صديقي ملحداً

إيناس كمال | الأربعاء 31/10/2018
شارك المقال :
هكذا صار صديقي ملحداً
(السطور التالية لا تعبّر بالضرورة عن رأي الكاتب أو الموقع، وإنما تنقل ما يدور في عقول ووجدان كثيرين). 

يعتبرها البعض موجة من التقليد، ستزول بمرور الأيام. شباب في "خصومة" مع الله، هكذا يراهم البعض. وبينما يصفونهم بالملحدين، فهم يصفون أنفسهم باللا-دينين، غير المؤمنين بأي دين من الأديان.

جذبت موجة من التدين الظاهري، الشباب، في مصر، بحلول الثمانينات والتسعينات، متأثرة بثقافة الدول الخليجية الأكثر تشدداً، وحملوا ونهلوا منها، ثم عادوا إلى مصر، ونشروا أفكارهم ضمن مجتمع كان يوصف بالوسطية، يؤمن بحقوق الغير حتى وإن كانوا أقلية، ما يفتح مساحة واسعة للنقاش مع الجميع ويحترم آراء وتوجهات وثقافات . 

تطورت الثقافة الدينية في مصر، حتى صار الانغلاق سمة رئيسية لتلك الفترة، أدت إلى تغيير ثقافة الوسطية إلى ما يشبه التشدد الاجتماعي قبل التشدد الديني. ليس بالضرورة ان يقتنع الفرد بما تقوله الآيات والنصوص الدينية الواردة بتفسير جديد أتى مع المغتربين العائدين، لكن من المهم أن يطبقوا ويفعلوا ما تقول.

استخدمهم السادات لردع جموح الشيوعيين والاشتراكيين، فعظم وجودهم. هكذا تربى جيل الآباء، وهكذا حولوا الأبناء إلى نسخ مكررة منهم في محاولة منهم لأن ينتجوا جيلاً جديداً لا يفكر ولا يناقش. "لا تناقش ولا تجادل يا أخ علي". لكن مع الثورة التكنولوجية وعصر الانفتاح التكنولوجي، خابت ظنونهم. صارت هناك آفاق أخرى. عرفوا أن ذلك العالم الفيزيائي لم يسلم حينما سمع الآذان فوق سطح المريخ كما روجوا، وتلك الفتاة التي طلبت من والدتها خفض صوت القرآن العالي، لم تتحول إلى مسخ نصفه كلب ونصفه إنسان، بل كان عملاً من الشمع وتصميماً لأحد الفنانين الأوروبيين في معرض شهير.

كل ذلك، بدأ التمهيد لثورة فكرية. بدأت ككرة الثلج تكبر يوماً بعد يوم، أمام الجيل الذي عاصر ثورتين "25 يناير 2011" و"30 يونيو 2013". الكثير من الشباب تحولت أفكارهم ومرجعيتهم الدينية أيضاً من التشدد والانغلاق والفكر السلفي إلى الفكري اللاديني والكفر بجميعها.

في حوار مع صديق لي من المتحولين، أخبرني أنه في موقف غريب، جاء برد فعل عكسي. ففي أحد الأيام، نصحه صديق عُرف بأنه يحب المسيحيين ويصادقهم، فقال له إنه لا ينبغي مصادقة اليهود والنصارى، وأهداه كتاباً لسيد قطب. ورغم أنه كان الكتاب الأول الذي يقرأه في حياته، إلا أنه أثر فيه كثيراً، قائلاً إنه السبب الرئيسي لإلحاده كان في مقدمة الكتاب التي جعلته يقول إن سيد قطب إما "مخبول أو متخلف". وجاء في المقدمة: "نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الاسلام أو أسبق، كل ما حولنا جاهلية.. تصورات الناس وعاداتهم وتقاليدهم وموارد ثقافاتهم وفنونهم وآدابهم وحتى ما نعتبره اليوم ثقافة اسلامية". وقد اعتبر صديقي، الذي تحول لاحقاً إلى الإلحاد، أن في فكر سيد قطب نوعاً من اللاعقلانية، فكيف يعتبر كل ما يدور حولنا كفراً أو جاهلية؟

كان ذلك قبل أن يبدأ في التساؤل، وهي المرحلة الطبيعية التي تراود الباحثين عن إجابات. كانت أسئلته تدور حول "الخلقية والتطور"، ومشاكل علمية غير منطقية، ومتعارضات كثيرة غير مفهومة. مثل أنه لا دليل كافياً على وجود الله، أو إله بشكل عام، أو مسألة التعامل مع بني قريظة، ومسائل من داخل العقيدة لا يظنها أخلاقية، مثل القدر المكتوب لإنسان أن يدخل النار، فهل يستطيع تغيير قدره؟

كذلك يعتبر صديقي أن هناك في الإسلام ما لا يتسق مع خصاله الحميدة والسمحة ويخلق تعارضاً، مثل الجهاد وضرب الزوجة وزواج الأطفال وتجارة العبيد وملك اليمين وكذلك الختان الذي تصدى له بشكل شخصي حينما أراد أحد أفراد عائلته ختان طفلته البالغة 10 أعوام، فخاطب عدداً من الهيئات والمؤسسات المعنية بالطفولة ومحاربة ختان الفتيات، وتمكن من إيقافهم رغم معارضة الأسرة لذلك.

تنكر الله، لكنك تؤمن بالجنة والنار؟ سألته، فأجاب: "أنا لا أنكر وجود الله، لكن هناك من يقول بوجود مَن يحكم الكون، والبيّنة على من ادّعى، فعليهم أن يثبتوا لي أنه موجود، ثم أني لم أنكر وجود الله أو الإسلام فقط، أنا لا أؤمن بالأديان كلها".

ماذا عن عدالة السماء أو عدالة الله؟ أجاب بأن هناك موقفاً جعله لا يؤمن بوجودها. فحينما ماتت طفلة صغيرة لم تكمل 13 عاماً، لأن أهلها زوجوها لكهل "بغل" ولم تتحمل الطفلة وماتت، تعجب من أن أهلها زوجوها وهي في هذه السن الصغيرة. وحينما عُرض الأمر في مواقع التواصل الاجتماعي، وجد الكثيرين يدافعون بشدة قائلين إن هذا من صحيح الدين، لكن كان على أهلها التأكد من تحمّلها للجنس وهو ما اعتبره أمراً فجاً، ثم تلاشت صدمته لما اكتشف أنه "الإسلام" يُشرع ذلك.

يكمل صديقي بأنه شرع في البحث عن تفاسير لآية سورة النساء "واللائي لم يَحِضنْ"، فهل هناك ما يؤكد زواج طفلة ما زالت تلهو بالدمى؟ فوجد أن تفاسير ابن كثير والطبري تؤكده، وكانت تلك التفاسير أشبه باللّكمات على وجهه، وزاد عليها اقتداء الناس بالنبي محمد الذي تزوج من طفلة هي السيدة عائشة وهي في سنّ التاسعة.

موقف آخر جعله يبحث داخل صحيح الدين، حينما تعرضت شقيقته للضرب على يد زوجها السلفي. وعند اعتراضه، قال له إن ذلك من الدين، مستشهداً بآية "واضربوهن"، وحينما بحث تأكد أن الدين يحض على ذلك، وهو أمر لا إنساني بالمرة.

تيقن وقتها أن الدين مثل "رزمة"، لا يمكنك أخذ شيء وترك آخر. فيه الحب والكراهية، وفيه الذبح والكعك والأضاحي والإجازات.. 

ربما تكون هناك تفاسير مختلفة، وربما هناك ما هو مُختلَق ودخيل على الإسلام.. ناقشته في ذلك، فأجابني صديقي بأنه من غير المنطقي أن تكون دخيلة، إذ أن التفسيرات هذه، بحسب علمه، منقولة غالبيتها عن سير ذاتية لأشخاص عاصروا وتفكروا.. "كما أنه من غير المنطقي أن يُطلَب مني أن أحب الجميع، ثم يُطلَب مني مرة أخرى أن أكرههم أو أصلبهم وأقطع أيديهم وأرجمهم حتى الموت".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها