آخر تحديث:15:51(بيروت)
الأحد 28/01/2018
share

كرة القدم والقوة الناعمة.. ثقافة الفراغ في الإعلام المصري

شريف الشافعي | الأحد 28/01/2018
شارك المقال :
كرة القدم والقوة الناعمة.. ثقافة الفراغ في الإعلام المصري

فيما تستشعر القوة الناعمة في مصر حرجاً بالغاً لتراجع أسهمها في التأثير الخارجي والإقناع الداخلي عبر ما تحمله من قيم روحية ومعنوية وما تجسده من أطروحات وأخلاق ومبادئ في مجالات الثقافة والفن وحقوق الإنسان والبنية التحتية، فإنها تتشبث بين الحين والآخر بطوق نجاة تصدّره للرأي العام كطاقة أمل ونافذة تحقق وانطلاق.

"الساحرة المستديرة" أو كرة القدم، هي ذلك المفتاح الأسطوري أو الوهمي الذي تتمحور حوله ثقافة الفراغ في الإعلام المصري منذ إعلان صعود المنتخب المصري إلى مونديال روسيا 2018، بدعوى أن أبواباً من الإنجازات قد فُتحت بالفعل، وأخرى في طريقها إلى الفتح، أمام "المارد المصري"، صاحب إرادة الانتصار وروح المونديال القادرة على فعل المعجزات.

تعقد وزارة الثقافة المصرية فعالياتها الأبرز "معرض القاهرة الدولي للكتاب" (27 يناير-10 فبراير 2018) تحت شعار "القوة الناعمة.. كيف؟"، في اعتراف ضمني بأن هذه القوة الناعمة المتراجعة تفتقد البوصلة وتحتاج إلى مراجعة الكيفية وآلية العمل فضلًا عن ضرورة خلق استراتيجية جديدة متكاملة ورؤية شاملة.

يأتي ذلك التوجه الرسمي المعلن بهدف محاولة استعادة دور مصر الثقافي والحضاري على الصعيد العربي والإقليمي والعالمي، بعد سنوات من الجمود والإخفاقات، لاسيما في إدارة ملفات حساسة وبارزة من قبيل التعليم والتنوير وتجديد الخطاب الديني ومواجهة الإرهاب والعنف والإسلام السياسي والأصوليات والتيارات الظلامية، بتوجهات موضوعية، ومن منظور عقلاني.

ولأن المسالك الإصلاحية تبدو وعرة دائماً، وبحاجة إلى سياسات مبتكرة وجهود فعالة وخطط طويلة الأجل، فإن حلولاً أخرى تتراءى في الأفق الإعلامي والثقافي من أجل محاولة تغيير الصورة السلبية المقترنة بقوة مصر الناعمة، منها الاستثمار المجاني لبطولات وإنجازات، حقيقية أو وهمية، من حقول أخرى مثل الرياضة (محمد صلاح نجماً فذًّا، منتخب مصر في المونديال)، لخلق كليشيهات من هذه "الحالات" يتم تعميمها إعلاميّاً في إطار ثقافة الخواء والإفلاس، وسحبها بالتدليس على كافة المجالات، وسائر المصريين.

ولأن "الشعارية" هي السمة السائدة في خطاب وممارسات وسياسات ومسارات المؤسسة الثقافية وفضاءات الميديا المصرية، فإن تلك الكليشيهات الرياضية بما فيها من دفقات أمل وتضخم ذاتي وجدت على الفور مكانها بين العناوين العريضة التي تضخها الآلة الرسمية ليل نهار في إطار من الحشد والنفخ والتعمية على انتكاسات وإخفاقات جوهرية تمس صميم القوة الناعمة، تلك التي باتت لا تمتلك سوى الموائد الصغيرة لإطلاق الكلام الكبير الذي يقف عند حد الشحن لا الفعل.

في ظل تلك الثقافة المتهالكة التي لا تزال تجتر كليشيه "روح انتصار أكتوبر" منذ 45 عاماً اجتراراَ كاملًا، بالعبارات والأغنيات والأناشيد والخطب المحفوظة ذاتها، لم يكن صعباً أن تصدح أبواق الميديا بكليشيه "روح المونديال" باعتباره خلقاً لثقافة الأمل وإطلاقاً لقدرات العزيمة والهمة بلا حدود، خصوصاً بعد تطعيمه بإنجاز آخر يخص النجم المصري محمد صلاح المتوج بلقب "أفضل لاعب في إفريقيا".

لم تقتصر آليات التدليس والتزييف على حد الطنطنات الإعلامية المدارة بسيولة غير عادية عبر سائر القنوات الرسمية، في عشرات البرامج، الرياضية وغير الرياضية، والاحتفاليات، والأغنيات أيضاً، بل إن معرض القاهرة الدولي للكتاب ذاته (أكبر حدث ثقافي في مصر) يتبنى في دروته الجديدة (2018) محوراً نقاشيّاً من محاوره الكبرى في القاعة الرئيسية تحت عنوان "كرة القدم والقوة الناعمة"، من أجل التكريس للفكرة ذاتها، والتمادي في الاستثمار الانتهازي لبعض إنجازات الحقل الرياضي الطيبة، وخلعها على ما لا يمكن تعميمه بطبيعة الحال.

إن هذا الاستغلال الثقافي والإعلامي الفجّ للمنجزات الرياضية، يعكس هشاشة أخرى تتعلق بمنظومة أجهزة ومؤسسات وزارتي الثقافة والإعلام على وجه الخصوص، وطبيعة رؤية وعمل الإدارة الحكومية بصفة عامة، فلا يزال التخطيط والأداء مرهونين عادة بما هو دعائي أو شعاري أو احتفالي أو كرنفالي، على نحو فضفاض قوامه المبالغة، أو مشغولين بما هو ماضويّ صرف، حيث التغنّي بأمجاد "مطلقة" لم تعد لها ظلال ملموسة على الأرض. 

هذا التضليل والهوس أقصى طموحاته فقاعات كلامية تتبخر، فلا مجال لاستعادة دور القوة الناعمة وسط ما هو قائم من التكلس والاجترار وفقدان القدرة على الخيال، في عالم باتت تحكمه المنافسة، وتتحرك فيه بالفعل نحو المستقبل قوى عربية وإقليمية أخرى، تأخذ بأسباب التقدم والإنجاز الحقيقية، بعيداً عما تسلكه المركزية المصرية المنغلقة على ذاتها والمهووسة بصناعة العناوين البراقة والتشرنق حول الذكريات والأمنيات.

ويبقى الفرق كبيراً بين أن تكون الممارسة الثقافية نفسها، ذات طابع حيوي، تفاعلي، تخليقي، بما يتم ترجمته إلى إيجابية وعزيمة وحماسة وأمل، في إطار منظومة من العمل المتسق والتواصل الخصب مع الجمهور لتحقيق منجزات مدروسة، وبين ثقافة الفراغ والبلاغة الخطابية التي تنتهجها المؤسسات الحالية، ويتبناها الإعلام، وليست حصيلتها سوى رؤوس موضوعات مبتورة في الفراغ، وسراب يعقبه سراب في صحراء التهليل.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها