آخر تحديث:17:26(بيروت)
الأحد 17/09/2017
share

مقولة الفساد...فاسدة

زياد توبة | الأحد 17/09/2017
شارك المقال :
مقولة الفساد...فاسدة
عشرات القضايا المتعلقة بالشأن العام يتم تداولها يومياً، ويأخذ الإعلام المحلي، بمعظم مؤسساته، على عاتقه نشر الأخبار المتعلقة بقضايا الفساد في المؤسسات والإدارات العامة. لا يتوقف هذا الإعلام عن كشف وتبيان تلك القضايا فحسب، بل منه من يخصص برامج تتابع مستجدات القضايا ومنه من يرى في الصحافة الإستقصائية سبيلاً لوضع اليد على الفساد وإبرازه للجمهور. 

ليس جديداً أن يقوم الخطاب الميديوي بمتابعة الشأن العام وقضاياه وأن يشير إلى الفساد هنا وهناك، لكن المفاجئ هو أن تسمع أقطاب المنظومة الحاكمة يتبادلون تهم الفساد. ماذا يعني أن يصبح الفساد مقولة رائجة تتصدر الخطابين: خطاب المنظومة والخطاب الميديوي؟

أصبحت مقولة الفساد، فاسدة بحد ذاتها. لم تعد تجدي نفعاً، فلا تداول أخبار الفساد ولا الإشارة إليه تقدّم حلاً لما آلت إليه أحوال العلاقة الزبائنية بين المنظومة من جهة وبين الناس من جهة أخرى. حتى أن ما حصل من إعتراضات خلال  صيف 2015  رداً على ذاك التردي الحاصل في العلاقة لم يخرج من دائرة التعميم التي فرضتها التقاطعات الحاصلة بين المنظومة والميديا. 

تزييف الوعي حول قضايا الشأن العام المتعلقة بإدارة البلاد هو نقطة تقاطع مشتركة بين خطاب المنظومة الحاكمة وبين الخطاب الميديوي. بين جملة "ويني الدولة"، التي هي أقصى حدود مقولة الفساد المعمّمة، وبين جملة "طول عمره البلد هيك" يتم صناعة خطاب ذي طابع تعميمي بمقولات يُراد لها أن تكون أقصى حدود الإعتراض. خطاب يريدنا إجترار مقولة الفساد التي تراوح مكانها. 

النضال عبر الصحافة الإستقصائية، الذي لا يرتب أثراً على منظومة الفساد ولا يُحدث خرقاً في مقولتها، يصيغ مقولاته في مؤسسة إعلامية تبني تدخلها في الشأن العام على أساس الغيرة من الفاسدين وإحتكارهم للفساد في أحيان كثيرة. هنا يبدو النضال المزعوم حبواً بالنفس الى نادي الفاسدين الإقصائي. إن الإستقصاء في هذا المضمار ناجم عن أمنيات رب العمل المالك للوسيلة الإعلامية الطامح إلى الحصول على صفقات تُدخله إلى النادي، فيركّز على جزئية من الفساد تطال أحد أربابه الذي بدوره يمارس الإقصاء بحق المستقصي. فلا ينوبنا إلى جولة إضافية من جولات المشهد الفاسد.

لا تتقدم مقولة الفساد في خطاب الميديا ولا تنضج حتى تصبح نوعاً من المساءلة أو الإعتراض، بقدر ما أنها تشير إلى الفساد وتشيح النظر عنه لتستكمل "منطق النق" السائد. هذا نوع من تزييف الوعي ودفعاً للإستسلام والتسليم. إنه إفساد إضافي يطال أي محاولة لوعي الفساد وآلياته وطريقة إشتغاله. إن تعميم الفساد يطيح بوجهته الإتهامية حتى لو كانت واضحة، فالتعميم المقصود يزيح الفاعل. فما بالك إذا قام المقتدرون في المنظومة بتلقف مقولة الفساد ككرة يتقاذفوها في ما بينهم مثل لعبة على قاعدة باتت معروفة: "إتهمني لإتهمك".

نسمع عن الفساد وقضاياه كثيراً عبر الفضح المتبادل، وتتمترس الوسائل الإعلامية وتنقسم وفقاً لإنقسام المشهد بين أرباب فاسدين وأرباب صالحين، أو ينعكس المشهد بعد أيام ويصبح الطالح صالحاً والعكس صحيح. في ظل هذا المشهد، تحشد الوسائل الإعلامية لصالح أحد الوكلاء التنفيذيين للمنظومة على حساب وكيل آخر تكشّف فساده غيلةً. يأخذ التقاطع بين السياسة والميديا مجراه، لا بل تزايد الميديا على السياسة بتبني مقولة الفساد. يُفسد الخطاب الميديوي المشهد برمته طالما أنه يملك تطبيقات وإعدادات تخوّله معالجة الصورة، كأدوات الـ Crop & Blur  أي أنه يعمل على القص والإجتزاء وتضبيب الصورة.

في مكان آخر، مكان لا يبعد كثيراً عن خطاب الميديا، يتم إلتهام قضايا الفساد بنهمٍ من قبل مواقع التواصل الإجتماعي. إن تلك المساحة التواصلية تتيح فرصة لفعلَي القول والبوح اليوميين بالتمظهر على صفحاتها، لكن هذين الفعلين لا يبقيا في إطار المناصرة والإعتراض على أداء الإدارة الحاكمة بالفساد، بل يصبح "القول" بذاته هدفاً. القول من أجل القول، يراوح قولنا دون عمل. 

لا ينتبه معظمنا إلى أن القول الملازم لخطاب الميديا حول الفساد بات قولاً دارجاً ليشكل موجة رائجة يستسيغها خطاب السلطة وخطاب الميديا. إنه القول "الترندي" Trendy الذي بدوره يتسلم دفّة مقولة الفساد ويؤدي وظيفته في الإشارة والإشاحة عينها. نستهلك القضايا الرائجة ونمضي في القول حتى نقوم بواجبنا في إفساد مقولة الفساد.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

زياد توبة

زياد توبة

باحث اجتماعي

مقالات أخرى للكاتب