آخر تحديث:18:27(بيروت)
الأحد 06/08/2017
share

سفّاحة المستشفى الحكومي

زياد توبة | الأحد 06/08/2017
شارك المقال :
سفّاحة المستشفى الحكومي منى بعلبكي في تقرير بثته قناة "الجديد" مساء السبت
يتمحور المشهد الميديوي الصباحي حول خبر من المستشفى الحكومي في بيروت مفاده أن إحدى الموظفات قامت بممارسة الفساد والتلاعب بأدوية خاصة بمرضى السرطان بداعي إختلاس الأموال. كما أن هذه القضية ليست جديدة بحسب المعنيين، فتعود إلى عام 2008.
القضية، بحسب تواترها على وسائل التواصل الإجتماعي، تبدو كأنها قضية فساد وتلاعب وإختلاس يصل إلى نصف مليون دولار وهو قد بدأ منذ تسع سنوات دون أن يتحرك أحد من القضاء، أو أن القضية قد أثيرت سابقاً وتم تلافيها في الأدراج نظراً لتورط بعض الأسماء المرتبطة بالمنظومة الحاكمة. وعلى الرغم من الفساد المبيّن هنا، فإن القضية تبيّن حجم الجريمة المرتكبة بحق الناس في تلك المؤسسة الحكومية.

ليست منى بعلبكي فاسدة. هذه السيدة محترفة قتل، يمكن تصنيفها ورفعها الى مصاف القتلة المتسلسلين الذين يتعمدون قتل ضحاياهم بالطريقة عينها تقريباً والذين يختارون ضحاياهم من الفئة نفسها في أغلب الأحيان. ففي قضية السفّاحة هذه تخفت ملامح الجريمة العرضية، التي تأتي في إطار عرضي وظروف طارئة، لتبرز ملامح الجريمة المتسلسلة ذلك القتل المتمادي منذ تسع سنوات والذي يستهدف فئة المصابين بمرض السرطان في مستشفى رفيق الحريري الحكومي. 

من الممكن، وهذا رهن توسع التحقيق، أن تكون منى بعلبكي سفّاحة وقاتلة مأجورة نظراً لورود بعض المعطيات التي تشير إلى شبكة تغطي وتساعد الموظفة على تنفيذ جريمتها. لذا لا تبدو قضية السفاّحة مسألة فساد فحسب، ولا تنتمي الى مشهد الفساد الذي يتشكل ويتكشف في المشهد الميديوي العام فحسب، إنها تنتمي إلى مشهد القتل الرائج في البلد لألف سبب وسبب. هذا القتل المتنقل بحرية مقصودة. حرية ينالها من منظومة لم تعد تأبه لأي مساءلة أو عواقب. لا بل أن الموت بات لغة المنظومة الحاكمة مع زبائنها الكرام لغرض في نفسها.

لا تلتفت المنظومة إلى حجم القتل الذي تمارسه يومياً، لا بل تمعن فيه بعد أن ملّت مشهد الذل الذي فرضته على الناس من خلال بناء العلاقة الزبائنية معهم. لم يعد يكفي هذه المنظومة ومخيلتها مشهداً رتيباً كمشهد الفساد وتفاصيله، لقد بات القتل هنا مرحلة متقدمة فنتازمياً في عقل منظومة كانت تدبره في الحرب وعادت لتدبره في السلم. 

أما المشهد الميديوي فما زال يراوح عند عتبة الفساد، وأقصى ما يُنتجه خياله هو رندوحة "ويني الدولة"، في الوقت الذي تُخرج فيه المنظومة يومياً أفلاماً مشوّقة حتى الموت. في بعض الأوقات تحسب أن مشهد الميديا يعمل على تلطيف مشهد الموت وتبديد المخاوف لدى المشاهد بغية تقبله بسلاسة أكثر.

لا تبدو مسألة منى بعلبكي، سفّاحة مستشفى رفيق الحريري الحكومي، مشهداً عابراً، ولا حتى منفكاً عن سياق مشهد الموت اليومي. إنها، وعلى عكس خطاب الميديا، قضية مستجدة وليست سائدة كما يتم تناول قضايا الفساد كل يوم على قاعدة "الإشارة ثم الإشاحة"، أي نشير إلى الفساد ونشيح النظر عنه في تقرير مقبل يتناول مهرجاناً بمفرقعاته المبالغ فيها. 
هذه القضية هي تظهير أكثر وضوحاً للمرحلة التي دخلتها علاقة المنظومة بزبائنها. إن الزبائن الآن في مشهد الموت دليل تنفيه المنظومة لتورطها في الفساد. تتخلص المنظومة من كل أثر يدل على تردي العلاقة الزبائنية: إنها تقتل زبائنها.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

زياد توبة

زياد توبة

باحث اجتماعي

مقالات أخرى للكاتب