آخر تحديث:19:28(بيروت)
الثلاثاء 25/07/2017
share

مهرجانات لبنان.. احتفاء بالخيبة

زياد توبة | الثلاثاء 25/07/2017
شارك المقال :
مهرجانات لبنان.. احتفاء بالخيبة اختتام مهرجانات جونيه 2017 (غيتي)
درجت منذ أعوام إقامة المهرجانات في القرى والمدن اللبنانية حتى يكاد لا يمر صيف من دون تلك الإحتفاليات، التجارية منها والتراثية والثقافية. تزداد أعداد المهرجانات سنة عن سنة لتطاول العديد من القرى التي لم تشهد في السابق إقامة أي مهرجان فيها. الناظر من بعيد إلى كل الإجراءات الإحتفالية هذه يظن أن البلد يعيش أيام إزدهار على كافة المستويات، فيما البلد يرزح تحت وطأة الأزمات المتنوعة، منها الأزمات المعيشية التي تطاول كل مواطن بالإضافة للأزمات المتنقلة على المستوى البيئي والسياسي والتفلُّت الأمني والإقتصلدي أيضاً. يبدو المهرجان تجسيداً لغياب المنطق، أو في أحسن تقدير يبدو المهرجان توليفة مفبركة تدمج بين الأزمات والإحتفالات، أو تغطية للأزمات بالإحتفال فوق بقعة تعيسة إلى هذا الحد.

يكاد يكون من الطبيعي أن تجد الناس تتخطى أزمات تفرزها منظومتهم السياسية على الدوام نتيجة سوء إدارة كافة القطاعات في لبنان. لا داعي لتكرار وإستعراض نوع الأزمات وخطورتها، كالأزمات الإقتصادية والبيئية. يكفي ما يطالعك في يومياتك من تعقيدات المعيوش الإجتماعي، حتى تدرك مستوى التردي الحاصل. في ظل هذا التردي يخطر لي سؤال: من أين تأتي الناس بهذا الكم من الفرح لتشكل مشهداً إحتفالياً لا يصمد إلا ساعات حتى ينقلب إلى مشهد النق المعتاد والذي يتصدر شاشاتنا ومواقع التواصل الإجتماعي؟ على الرغم من غياب "الفرح" المتحصّل على سيرورة عيش طبيعية، يجد الناس في المهرجانات فرحاً عابراً للأزمات التي يعيشونها. يجدون إستراحة على شكل فرح مؤقت، وكأنه زهرة لوتس تتفتح ببهاء فوق مستنقع من المياه الآسنة.

لا يرتبط المهرجان أو الإحتفاء العابر هذا بسياق فعلي بحيث يكون نتيجة طبيعية لدورة حياة فيها الحد الأدنى من الإتزان والإستقرار وتتمتع بنمط يراكم في تجربته. إن حالات الفرح الإحتفالية تبدو حاصلة في إطار إنتاجها الضيّق، بل تبدو في سياق متعال عن ظروفه ومحدداته الإجتماعية والإقتصادية والسياسية. قبل فترة، بدت مدينة جونيه، في أبهى حلّة صيفية بحسب المشاهدين لفعاليات الإحتفال المبالغ فيها. يفرح الناس بما تشكِّله الميديا لهم، وهي على بعد أمتار من موتها. الميديا نفسها التي تشكل مشهد "النق"، تجهد لتشكيل مشهد الإحتفال. أنوار الإحتفال أضاءت سماء مثقلة بملوثات معمل الذوق الحراري، أما رائحة البارود لأدوات الإحتفال فقد بدت أشد وقعاً من رائحة النفايات المنثورة على طول الشاطئ اللبناني. إنها إحتفالية الموت، بفرح عابر للكوارث المحيطة بنا، إنه المنطق الميدياوي التوليفي نفسه الذي يرافق المنظومة ويخدم منطقها.

في وفيما كانت القرى تجد سبيلاً لتصريف ما تنتجه، من محاصيل زراعية وحرف ومصنوعات أخرى، لم توفِّر المنظومة السياسية الحاكمة أي فرصة لضربها عبر سياسات إقتصادية تهجس بالريع وتفرّط في الإنتاج. لذا ضلّت القرى سبيلها في الحفاظ على قطاعاتها الإنتاجية، وأصبحت تعرض منتوجات الصين في إحتفالياتها. لقد باتت القرى أيضاً تعيش على إيقاع فرح المنظومة المفتعل. هذا الفرح المفتعل المدبّر من السلطة يجعل الناس في قراهم، سعداء اللحظة فقط. تقوم الشركات، التابعة بشكل مباشر أو غير مباشر للعائلات الحاكمة في هذه المنظومة، بكافة إجراءات المهرجانات وتقدم كافة الخدمات المطلوبة وتتعهد كل التدابير اللازمة لإقامة المهرجان. لا يستفيد إبن القرية سوى أنه جزء من مشهد الإحتفال هذا. إن الناس هنا إجراء عادي من إجراءات الفرح المفتعل. 

لا تبدو المهرجانات إلا فعل إشاحة، وكأن الحكّام يريدوننا أن نلتفت صوب الإحتفال فقط. الإحتفال بهذا المعنى، ترويض للنظر والرؤية قبل لحظات من موتنا المنتظر. إننا نرزح تحت وهم السياحة وإجراءات تنشيطها لدرجة أن الإعتراض على هكذا أنواع من الفرح يضعك في مواجهة المحتفلين، حتى يبدو النقد للمنظومة تنغيصاً على فرح المحتفلين. إن مشهد الإحتفال مطلوب من قبل منظومة تواظب على ترسيخ مشهد الإذلال. المهرجان إمتداد للذل هنا. رجال السياسة يرسمون مشهد الذل ونساؤهم تلوّنه بمهرجانات لا تمتّ إلى الواقع بصلة. المهرجان في مجتمعنا إحتفاء بالخيبة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

زياد توبة

زياد توبة

باحث اجتماعي

مقالات أخرى للكاتب