آخر تحديث:18:41(بيروت)
الإثنين 17/07/2017
share

الرأي العام اللبناني.. مهلاً!

ريما ابراهيم | الإثنين 17/07/2017
شارك المقال :
الرأي العام اللبناني.. مهلاً!
لا شك أن وفاة شابة وأم لطفلتين إثر خضوعها لعمليّة تجميليّة، هو خبر مفجع ومثير للغضب، لذا لم يستطع كثيرون انتظار صدور حكم يحدد المسؤولية في القضية، فسارعوا إلى استباق الحكم وحتى التحقيق، وحسموا أمرهم منذ اليوم الأول لشيوع خبر هذه المأساة، فكانت الوفاة بعد العملية هي الدليل الوحيد الذي احتاجوه لإصدار حكم بإدانة الدكتور نادر صعب، وكأنما الأمر بهذه البساطة: مات المريض إذن الطبيب مجرم!
مسائل عديدة تثيرها هذه القضية وغيرها من القضايا المشابهة التي يعتبر الرأي العام نفسه، عن حق، معنياً بها. لكن المشكلة تكمن في أن هذه المسائل دقيقة ومتخصصة، ولا يملك الرأي العام مؤهلات نقاشها وتكوين رأي موضوعي في شأنها، لكن ذلك لا يثنيه عن إشهار أحكامه وتشبثه بالرأي ومقارعته حتى أصحاب الإختصاص المحايدين، ومسارعته للتشكيك في كل مَن يدلي بدلوه في هذه القضية ورميه بتشكيلة من التهم الجاهزة، من بينها الفساد والرشوة والتواطؤ والمحاباة والخضوع للضغوط في أحسن الأحوال. فنرى الرأي العام، عوضاً عن انتظار سماع الرأي المتخصص في قضية لا يتقن أبجديتها، ينصّب نفسه حكماً، ويوزّع شهاداته على حسب توافق أو اختلاف الآراء مع أهوائه.     

من المسائل التي أثيرت والتي يجب أن تناقش من دون الخوض في تفاصيل قضية نادر صعب التي لم يُصدر القضاء بعد قراراً ظنياً فيها، رغم الاعلان عن تقرير نقابة الاطباء، مسألة الخطأ الطبي وكذلك قرينة البراءة.

فمسؤولية الطبيب الجزائية تُبنى على الخطأ، ذلك أن موجب الطبيب ليس تحقيق غاية وإنما بذل عناية. وشتان ما بين الموجبين، إذ يكفي في الحالة الأولى ألا تتحقق الغاية، كأن يموت المريض مثلاً أو لا يشفى، لتترتب مسؤولية الملتزم بالموجب الذي لا يستطيع منها فكاكاً إلا بإثبات وقوع الضرر لأسباب مستقلّة لا علاقة له بها. 

أما في الحالة الثانية، فإن مسؤوليته لا تفترض افتراضاً، وإنما تتوقف على إثبات ارتكابه خطأ نتج عنه الضرر الحاصل، وعبء إثبات هذا الخطأ يقع على من يدّعي. وهو أمر منطقي، فالطبيب يبذل ما يستطيعه من جهد ويضع ما لديه من خبرة ومعرفة في محاولة معالجة مرضاه، وعلى الرغم من ذلك، لا يستجيب بعض المرضى أو تحدث لديهم مضاعفات، من دون خطأ منه، لا يتوقعها وليس من واجبه توقعها ولا يمكنه اجتنابها، فكيف يمكن محاسبته عما لا سيطرة له عليه؟ أما من يقيّم الجهد المبذول وانطباق الاجراءات المتخذة على الأصول الفنية، فهو حتماً لجنة متخصّصة يستعين بخبرتها المحققون العدليون والقضاة قبل إصدار حكمهم. 

هذا المنطق لا يهدف إلى حماية الطبيب، وإن خُيّل للرأي العام - ضحية نظرية المؤامرة - أنه كذلك، وإنما إلى حماية مصالح متعددة في آن وإيجاد التوازن في ما بينها. فمن جهة، تقتضي مصلحة المريض تمكنه من محاسبة الطبيب على استهتاره وإهماله أو خطئه المتمثل في عدم اتباع الأصول الفنية أو جهله بها، أما مصلحة الطبيب فتقتضي ألا يكون عرضة للملاحقة والتشهير فيه من قبل كل مفجوع بقريب لم يتمكن من شفائه، وكذلك لدى المجتمع مصلحة عامة في ألا يتم ترهيب الأطباء عبر اتهامهم جزافاً وتدمير سمعتهم والقضاء على مستقبلهم المهني، لأننا عندها لن نستطيع لومهم إذا تهربوا من معالجة أي مريض يرون حظوظه بالشفاء ضئيلة. عدا عما لذلك من آثار سلبية في تقدّم مهنة الطب وتطورها.

هذا ما تجاهله الرأي العام في كل مرة وقعت فيها فاجعة مماثلة، فرأيناه يسارع إلى التشهير بالطبيب المعالج وإدانته والمطالبة بأقصى العقوبة له. 

المفارقة تكمن في انضمام عدد لا يستهان به من الناشطين الحقوقيين والمدافعين عن حقوق الإنسان إلى جوقة المشهّرين بالأطباء المتهمين، وكأنما قرينة البراءة ليست حقاً من حقوق الإنسان، او كأنما الطبيب المتهم ليس إنساناً، فكيف يستوي موقفهم المستبق للتحقيق والرافض لانتظاره، والمعترض على قرار القاضي بمنع التداول في القضية حفاظاً على سرية التحقيقات مع منظومة القيم التي من المفترض أنهم يتبنونها؟ وكيف سيمكنهم مستقبلاً التمسك بقرينة البراءة دفاعاً عن متهم يهمهم الحفاظ على سمعته وكرامته بعدما كانوا في طليعة من أنكر على هذا المتهم حقه بها؟

الدفاع عن حق المتهم، أي متهم، بمعاملته كبريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي صادر بعد محاكمة عادلة تأمنت له خلالها حقوق الدفاع، هو حق من حقوق الإنسان. ومنظومة الحقوق هذه متكاملة ولا تتجزأ. وهي تفرض الحفاظ على سرية التحقيقات مع المتهم لأن التحقيقات بطبيعتها تقوم على الظن، على خلاف الحكم الذي لا يبنى إلا على اليقين.  

هذا الكلام ليس دفاعاً عن هذا الدكتور أو ذاك، وإنما هو دفاع عن الحق وعن المبدأ الذي يرمي إلى تجنيب المدعى عليه التشهير والأذى المعنوي في مرحلة مبكرة من المحاكمة. فماذا لو ظهرت أثناء التحقيقات أدلة تثبت براءته؟ فمن يعيد إليه حينها سمعته التي دمرتها الإشاعات والأقاويل، تحديداً في المهن التي تعتمد على السمعة كالطب؟ من يعيد إلى طبيب متهم، ثقة زبائنه التي تحطمت؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

ريما ابراهيم

ريما ابراهيم

كاتبة وناشطة حقوقية لبنانية

مقالات أخرى للكاتب