آخر تحديث:19:25(بيروت)
الأربعاء 08/03/2017
share

حرّرتُ العاملة الأجنبية.. وحللتُ مكانها

ريما ابراهيم | الأربعاء 08/03/2017
شارك المقال :
حرّرتُ العاملة الأجنبية.. وحللتُ مكانها إلغاء وظيفة "مدبرة المنزل" هو مطالبة للمرأة بالعودة الى منزلها وتدبيره.. فأين الثورة الاجتماعية؟ (غيتي)
ربما أكون الوحيدة التي خرجت من افتتاح فيلم ماهر أبي سمرا "مخدومين"، عازمة على استقدام "مدبرة منزل". فوقع الفيلم من المفترض أن يكون معاكساً، ويبدو أنه كذلك فعلاً إذ لا ينفك يحصد الجوائز أينما حلّ، مما يعني أنه ينجح في مخاطبة مشاهديه والتأثير فيهم. 

أما أنا، فلم أكن عازمة فقط وإنما كنت غاضبة وحزينة، وبقيت أياماً بعده أستعيد النقاش الذي دار مع المخرج حوله. لم يكن الفيلم ما أزعجني وإنما كل الأفكار والتناقضات التي كانت تتصارع داخلي، والتي ساهم الفيلم والنقاش بعده في إنضاجها وتظهيرها. وكأنني فجأة رأيتني أمامي على الشاشة ورأيت كل المعضلة التي أرقتني سنوات تتضح وتنجلي. 

تماهيت مع بطلات الفيلم اللواتي اختار أبي سمرا أن يجعلهن غير مرئيات في فيلمه، تأكيداً على وجودهن الخفي في معظم البيوت اللبنانية وفي حيوات سكانها. رأيت نفسي في العاملات الأجنبيات لا في ربات المنازل اللبنانيات، لتكون هذه الرؤيا ما جعل الكيل يطفح.

منذ العام 2009 اتخذت قراراً بالاستغناء نهائياً عن العاملات المقيمات في منزلي، لأنني مهما قلبت الأمر كنت أعود وأراه عبودية مقنعة، تربكني وتشعرني بالذنب. يومها كانت إبنتي الكبرى في العاشرة من عمرها والصغرى في السادسة، وكل ما كنت أتوقعه منهما كمساعدة لم يكن ليتعدى ترتيب ألعابهما وغرفتهما وربما طي ملابسهما.

وزوجي كذلك الأمر لم أكن أتوقع منه الكثير لأنه أصلاً يخرج في السابعة صباحاً ويعود في الخامسة والنصف. مما يعني أنني كنت عملياً أقوم بمعظم العمل في المنزل، لكنني لم أكن أتذمر كما أفعل اليوم. ربما لأنني يومها كنت سعيدة بقراري "الثوري".. ربما لأنني بدأت أشعر أن بإمكان إبنتي المشاركة بطريقة فعالة أكثر، لكنهما تختاران ألا تفعلا. 

اليوم وبعد مضيّ ثماني سنوات على ذاك القرار "الأخرق" أشعر بأن هذه الأعمال، التي لا تنتهي والتي لا تنفك تتكرر، تستنزفني وتستفذ طاقتي، وكلما انتبهت إلى حجم المساحة التي تأخذها من نهاراتي ومن انشغالي وتفكيري، كلما غضبت وشعرت بالضيق وبالاختناق، وبالعبودية.

نعم بالعبودية. فقد حررت العاملات الأجنبيات من استعبادي لهن، وحللتُ مكانهن. فأنا أقضي ما لا ينقص عن الثلاث إلى أربع ساعات، وأحياناً أكثر من ست ساعات يومياً في الترتيب والطبخ والغسيل والنشر وفي أعمال لا تشعرني إلا بالخواء والتجوف. أعمال تمتصّ رغبتي وقدرتي على فعل أي شيء آخر بعدها.

والطامة الكبرى هي أنها أعمال لا تُرى، إلا عندما تُهمل وتبدأ الغبائر بالتراكم، والصحون بالطوفان خارج المجلى، وعندما لا تترك الملابس الملقاة على السرير متسعاً للنوم. 

غير المرئي ليس العاملات الأجنبيات، وألوان جلودهن الغامقة ليست ما يخفيهن عن الأنظار وما يمنع الإحساس بوجودهن، وإنما الخفي هو العمل الذي يؤدينه. والتغاضي عن رؤيته وتقدير الجهد الذي يحتاجه، يجعله غير موجود في ذهن من اختار أن يعمى عنه. لذا فالموضوع أبعد من ثنائيات، الأبيض والأسود، السيد والعبد... 

ليست العنصرية تجاه العاملات هي ما يجعلهن مخفيات عن أنظار سكان البيوت، وإن كان لا يمكن نفيها بالمطلق. وسوء المعاملة التي يلاقينها لا يتعلق فقط بلونهن وإنما بجنسهن. فقد تواطأ الجميع بمن فيهن النساء أنفسهن على تفويض هذه المهمة المنهكة وغير المقدرة إلى المرأة. والمرأة استضعفت أخرى، فحلت محلها في هذا الدوامة المفرغة.  

وأنا أخرج من فيلم "مخدومين" انتبهت إلى ضآلتي أمام هذا النظام، وانتبهت إلى حجم الثمن الذي دفعته، ولا أزال، مقابل عنادي وإصراري على تغيير أمر واقع، ترفض أسرتي أن تتعاون لتساعدني على تغييره.

وانا أناقش المخرج، تنبهت إلى أن الأمر يتطلب أكثر بكثير من تعاون أسرتي الصغيرة، تنبهت إلى أنه من الظلم أن أرمي مسؤولية الفشل في الاستغناء كلياً عن عاملة أجنبية، على عاتق إبنتي، اللتين تشعران بالغبن لأنهما الوحيدتان بين رفاقهما المطالَبتان بالمشاركة في الأعمال المنزلية، والوحيدتان اللتان تُلامان لعدم تقديمها.

لا أحد من رفاقهما يواجه وضعاً مماثلاً، وما أطلبه منهما خارج تماماً عن المجرى العادي للأمور، مخالف تماماً للنظام. النظام الذي يتكىء على مبادراتنا الفردية لإيجاد حلول. النظام الذي يعتمد على "مهاراتنا" في صنع "خلاصاتنا"، ومنها استقدام العاملات الأجنبيات لملء الفراغات التي يعجز النظام عن تأمين حلول جذرية لها. فهن ينظفن ويطبخن ويربين الأطفال ويرعين المسنين والمرضى إن وجدوا. ويقمن بكل تلك المهمات مقابل مبلغ زهيد.

قد لا يكون زهيداً بالنسبة لمستوى الدخل في بلدانهن، لكنه زهيد حتماً هنا. والمتضرر الفعلي من ضآلة هذا المبلغ، هن النساء اللواتي أصبح لعملهن في بيوتهن ولجهودهن المبذولة لتربية الأبناء والإعتناء بصحة الأسرة، "قيمة"، وهذه القيمة أصبحت مساوية للأجر المعطى لعاملة المنزل.

هذه المهمات تتطلب تفرغاً ما لم يتم توزيعها على أفراد الأسرة كلها، بطريقة عادلة تسمح لكل فرد بأن يتمكن من القيام بوظائف أخرى. حتى ذلك الحين كل كلام عن إلغاء وظيفة "مدبرة المنزل" هو في حقيقة الأمر مطالبة باستبدال العاملة الأجنبية بالزوجة أو الأم، هو مطالبة للمرأة، ولا أحد غيرها، بالعودة إلى بيتها وتدبيره، لأن الأزمة أزمة نظام متكامل، ولأن حلها يحتاج إلى ثورة إجتماعية.
 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها