آخر تحديث:16:52(بيروت)
الأحد 05/03/2017
share

لولا الأب ضو لكانت ندوة إعلامية.. لأجهزة الرقابة!

ريما ابراهيم | الأحد 05/03/2017
شارك المقال :
لولا الأب ضو لكانت ندوة إعلامية.. لأجهزة الرقابة! مداخلة الأب فادي ضو كانت الوحيدة التي لم تقرأ على الحضور شِعراً أو تتلو عليهم الأمنيات
تحولت الندوة التي كان من المفترض أن تناقش دور الإعلام في التصدي للتطرف الديني عبر نشر ثقافة الحوار والسلام، إلى مناسبة للتعبير عن القلق العارم من التفلت الأخلاقي الذي تشهده الشاشات أخيراً.

الندوة كانت ضمن فعاليات "المؤتمر الثالث لمديرية الدراسات والمنشورات اللبنانية في وزارة الإعلام"، والذي عقد يومي الخميس والجمعة الماضيين في الجامعة الأميركية في بيروت، وقد حملت عنوان "التنوع الطائفي ثروة تمايز لبنان وثقافته". لكن غاب عنها مُداخِلان من أصل ستة، هما السيد علي فضل الله، والدكتور محمد السماك، اللذين كان من المفترض أن يتناولا حوار الأديان في مداخلتيهما. 

غيابهما عوّضه الأب عبدو أبو كسم، رئيس "المركز الكاثوليكي للإعلام"، الذي تحدث عن أهمية حوار الأديان لتعزيز الوحدة الإنسانية وقيم الإعتدال والتسامح والوسطية، ونشر قيم المحبة والسلام في مواجهة العنف والتطرف الديني، معيداً على مسامع الحضور الأنشودة الكلاسيكية التي نشأ اللبنانيون جميعاً على سماعها وتسميعها عن ظهر قلب، أنشودة التعايش بين مكونات هذا الوطن الغنيّ بتنوعه، المنعم عليه بتعدد طوائفه.

الأب أبو كسم قال كلمته ثم ترجّل عن المنبر، بعذر انشغاله، من دون أن يتطرق إلى الإنفلات الأخلاقي، موكلاً هذه المهمة إلى الخطيب الذي تكلم بعده، وهو الدكتور أنطوان متى، الذي شكلت مداخلته مرافعة دفاعية عن العفة والأخلاق بدءاً من اتهامه الدراما بأنها تنشر ثقافة التحشيش عبر تصويرها الحشاشين، وبأنها تروج لنماذج سيئة عبر تصويرها تعنيف الرجال للنساء. 

وعندما سُئل إن كان المطلوب من الإعلام أن يخفي الواقع ويجمّله، أجاب إنه لا يعترض على نقل الواقع، في نشرات الأخبار، لكنه يعترض على الدراما التي تقدم نماذج "غريبة" عن مجتمعنا، زاحفة إليه من المسلسلات السورية والتركية، التي يجب أن يتم منعها. 

توصيته بضرورة المنع، لم تقتصر على هذه المسلسلات، بل تعدتها لتشمل إعلانات المسرحيات، والإعلانات التجارية التي تستغل المرأة وجسدها لإثارة الغرائز للترويج للسلع، والتي يراها خارجة عن "أخلاقنا" و"قيمنا". ووصل في نقده لصورة مزعومة عن المرأة، إلى حد القول إن التنافس بين التلفزيونات دفع بمذيعات نشرات الأخبار إلى الظهور شبه عاريات على الشاشات. 

هذا التصريح "الإشكالي" ربما كان ابن لحظته، ونتج عن انفعال وانسياق، ولم يسبقه تأمل ولا تمعّن بما قد يحمله من أبعاد، لكنه مع ذلك يبقى خطيراً لأنه يستبطن تسليماً بوجود تعريف موحد للعريّ أو شبه العريّ، لدى كافة مكونات هذا البلد المتغنَّى بتعدديته وتنوع ثقافاته. 

الأدهى هو أن تصريحاً مماثلاً سقفه منخفض جداً. فمذيعات الأخبار لا يمكن أن يرين شبه عاريات، إلا إذا تم قياسهن بمذيعات قناة "المنار" أو قنوات أخرى تذيع فيها نشرات الاخبار محجبات.

ربما كان تصريح متى، هو ما شجع طالبة محجبة على التعبير عن امتعاضها مما وصفته بأنه انفلات وإنحلال أخلاقي، واعتبارها أنه يشكل تعدياً عليها لأنه لا يحترم دينها وتعاليمه. 

قد تكون تلك الطالبة الوحيدة التي صاغت رأيها بهذه البساطة وهذا الوضوح، لكنها لم تكن الوحيدة في القاعة التي تعتقد أن الاحترام يوجب التخليّ عن الخصوصية لتجنب إثارة حفيظة وحساسية الآخر، فالعديد من المداخلات كما العديد من تعليقات وأسئلة الحضور كانت تصب في الإتجاه نفسه. 

لعل الأب فادي ضو، رئيس مؤسسة "أديان"، كان الوحيد من بين المداخلين الذي تنبّه ونبّه إلى الإشكالية التي يثيرها ما قيل لجهة مسّه بحرية الرأي والتعبير، وكذلك بحرية المعتقد، موضحاً أن الاحترام لا يعني الذوبان والانصهار في الآخر، بل احترام حق الآخر في الاختلاف، حتى لو كان هذا الإختلاف لا يرضينا ولا يعجبنا.

الأب ضو، الذي حضر بلباسه وفكره "المدني"، كان منهجياً ومنظماً وملتزماً بالوقت في مداخلته، التي حملت عنوان "الإعلام في مواجهة خطاب التطرف: خبرات وتحديات". مداخلته كانت الوحيدة التي لم تقرأ على الحضور شِعراً أو تتلو عليهم الأمنيات، بل عرّفت ببعض التجارب في مواجهة التطرف الديني في العالم العربي، ومنها تجربة الأزهر، ومركز "صواب"  في دولة الإمارات، وموقع "تعددية" الذي أطلقته مؤسسة "أديان" منذ حوالى أسبوعين. 

كما عرض نماذج من الخطابات التي تم تطويرها لمواجهة خطاب التطرف ومنها الخطاب الأصيل، والخطاب المضاد، والخطاب البديل، وآخرها الخطاب الوجودي، الذي عملت مؤسسة "أديان" على تطويره مفاهيمياً وفكرياً بالاشتراك مع مؤسسة "بداية" في الإمارات، وجامعة لندن والمعهد التربوي والإعلامي فيها. وقد تحدث عن مزايا كل خطاب وكذلك عن التحديات التي تواجهه ونقاط ضعفه، مشيراً إلى أن الخطاب التلقيني والوعظي، الذي يعتمده معظم رجال الدين، هو الأقل تأثيراً والأقل قدرة على إحداث التغيير. 

ربما كانت قناعته هذه تقف وراء حرصه على أن يكون خطابه أبعد ما يكون عن الوعظ والتبشير، وعن تنصيب نفسه مثالاً يضلّ من لا يحتذيه. 

لكن يبقى أن أهم ما ميزه في ندوة يتغنى عنوانها بالتعددية والتنوع الثقافي، هو حرصه على الحرية وتشديده على أهميتها، في حين لم يجد طلاب الإعلام، أي إعلاميي الغد، ولا أساتذتهم، حرجاً في مطالبة السلطة بالتصدي، بالقمع والمنع والرقابة والمحاسبة، للمؤسسات الإعلامية، حتى ليكاد الحاضر يعتقد أنه دخل عن طريق الخطأ إلى مؤتمر صحافي تعقده أجهزة الرقابة لتبرر لنفسها التضييق على حرية التعبير.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها