آخر تحديث:16:28(بيروت)
الأحد 05/03/2017
share

الولايات المتحدة الداعشية

وليد بركسية | الأحد 05/03/2017
شارك المقال :
الولايات المتحدة الداعشية "الولايات المتحدة الداعشية".. وصف كررته قناة "سما" في هجومها الخيالي على أميركا
مزيج من الهيستيريا وجنون العظمة والعنصرية، قدمته قناة "سما" السورية شبه الرسمية، دفاعاً عن النظام السوري ضد الاتهامات الدولية الموجهة إليه بالتنسيق مع تنظيم "داعش" والمساهمة في نشأته وتمدده من العراق نحو سوريا العام 2013، عبر تقرير اتهمت فيه القناة المشهورة بشعبويتها وخطابها الأجوف، الولايات المتحدة بصناعة "داعش"، ليس بناء على أدلة وحقائق ووثائق أو جدال منطقي عقلاني، بل عبر مقاربات خيالية تستند إلى "منظور تكون التاريخ الأميركي" و"تحليل العقل الأميركي".


ورأت القناة في تقريرها الذي لا تتجاوز مدته ثلاث دقائق ونصف الدقيقة، أن الولايات المتحدة هي المسؤولة عن نشوء تنظيم "داعش"، لأنها أصلاً كيان أنشأته الدول الأوروبية كمنفى للمجرمين والمرتزقة، الذين تكاثروا عبر السنوات وبقيت خلاصة فكرهم الإرهابي حية حتى اليوم لدى الأميركيين، أحفاد الإرهابيين والقتلة، وبالتالي أرادت واشنطن تصدير تجربة نشوئها الأولى للعالم من أجل تخريب الشرق الأوسط عبر خلق دولة مجرمين تماثل تاريخها القديم في سوريا. أما الدليل على تلك النظرية العجيبة فهي أن الولايات المتحدة دولة مشؤومة ذات خليط بشري غير متجانس تحكم البلاد بالحديد والنار!


تقول القناة في سياق التقرير: "وهكذا ولد تنظيم داعش الإرهابي من رحم الوعي الأميركي الذي أنتج تاريخ أميركا وخطط لهذا التنظيم الهجين الوحشي أن يمد بكل أسباب القوة التي من شأنها أن تدعم وجوده ليحقق شعاره المشبوه بالبقاء والتمدد". معتبرة أن "الولايات المتحدة استدعت تاريخها لتخرب حاضر العالم". وعليه تطرح القناة نظريتها الفلسفية الجديدة حول صراع التاريخين "لأن التاريخ الأميركي وجد نفسه محاصراً بتاريخ هذه الأرض نفسه" معتبرة أن التحولات الكبرى تقف إلى جانب النظام الذي سيوقف حلم "الولايات المتحدة الداعشية"، وهو سياق قدمته القناة في تقرير سابق لا يقل هزلية وإضحاكاً عن معركة حلب التي اعتبرت فيها أن الرئيس السوري بشار الأسد "غيّر تاريخ الشرق"!


وهنا، تتجاوز تحليلات القناة نظرية المؤامرة الكلاسيكية، والرؤية الأسدية حول مركزية دمشق كعاصمة للشرق يدور العالم كله في فلكها ويسعى لتدميرها، وتتجه نحو تقديم خطاب فاشي عنصري بناء على العرق، وكما يبنى الصراع السني - الشيعي على أحداث تعود لأكثر من 1400 سنة، يحاول النظام السوري، عرى غرار حليفه الروسي، ربط نفسه بصراع تاريخي مع الولايات المتحدة عمره أكثر من خمسة قرون، بحثاً عن هوية ثقافية للصراع الذي يعطي النظام السياسي أحقية الوجود والاستمرار، وتصبح دكتاتورية الأسد التي استولت على السلطة العام 1970 هي الحدث المرجعي الوحيد في تاريخ البلاد رغم كونها، تقنياً، حدثاً منفصلاً عن سياق التاريخ السوري التعددي.

ويبدو ان القناة أرادت أن يتزامن تقريرها مع المعلومة الخاطئة التي أوردتها وكالة أنباء النظام "سانا" بأن يوم 4 آذار/مارس الذي بث فيه التقرير يصادف ذكرى وصول كريستوفر كولومبوس إلى القارة الأميركية للمرة الأولى العام 1493 وهي معلومة خاطئة أوردتها "سانا" نقلاً عن "ويكيبيديا" من دون التأكد منها، بينما يصادف التاريخ الحقيقي ذكرى وصول كولومبوس إلى العاصمة البرتغالية لشبونة عائداً من أميركا التي وصل إليها للمرة الأولى بتاريخ 3 أب/أغسطس 1492.

وعبر هذا الأسلوب من الهروب إلى الأمام، يدافع النظام السوري عن نفسه بشراسة أقرب للطيش، عبر تصديره للاتهامات الموجهة إليه نحو طرف ثالث يعتبره عدواً يوازي الشر الأكبر أيديولوجياً، ومسؤولاً عن كافة الشرور والجرائم والاضطرابات والمشاكل حول الكوكب وخلال التاريخ أيضاً، وذلك ليس إلا أسلوب تعميم تقليدي في بناء خطاب البروباغندا. يتم تدعيمه بوجهات نظر، محرفة أو حقيقية، من داخل النظام المستهدف، أي الولايات المتحدة. وهو ما تقوم به أجهزة دعائية ثانية مرتبطة بالنظام السوري وحلفائه.

ومنذ اللحظة التي اتهم فيها وفد المعارضة في مؤتمر "جنيف4" النظام السوري بالتورط في علاقات الوثيقة مع تنظيم "داعش" التكفيري معلناً امتلاك المعارضة أدلة تثبت آليات التنسيق بينهما، يحاول النظام السوري التملص من تلك الاتهامات للمرة الأولى، أمام جمهوره المحلي تحديداً، رغم أن تلك الاتهامات قديمة ويكررها ناشطون معارضون ووسائل إعلام معارضة وهيئات حقوقية مستقلة منذ العام 2014، وتشكل مضمون حملات حالية أعاد ناشطون معارضون إطلاقها هذا الأسبوع مثل #الأسد_يدافع_عن_داعش و #داعش_حليف_الأسد.

والحال أن صدور تلك الاتهامات في مؤتمر دولي أمام الإعلام الغربي والرأي العام العالمي جعل النظام يستميت في تبرئة نفسه لأنها اتهامات تنسف كامل السياق الذي بنته الدلوماسية والبروباغندا الرسمية طوال سنوات حول الحل السياسي في البلاد، والذي يطرح فيه النظام نفسه كخيار مقبول وحيد أمام المجتمع الدولي مقابل الإرهاب التكفيري، مثل "داعش" والمعارضة التي يتم تعميم فكرة الإرهاب عليها. إضافة لضرورة مخاطبة الجمهور المحلي الموالي للنظام الذي قد لا تصله أو لا تعنيه "ادعاءات الناشطين والمعارضين" عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وهنا لا تتعدى الأدلة التي يقدمها سائر إعلام النظام، بموازة "سما"، سوى شهادات من العاصمة الروسية موسكو، العدو الكلاسيكي للولايات المتحدة منذ مطلع القرن العشرين، أو آراء سريعة لصحافيين أوروبيين مجهولين من دولة التشيك تأخذ وكالة "سانا" الرسمية آراءهم باستمرار، أو شهادات غير دقيقة للنائبة الأمريكية الجمهورية تولسي غابارد التي زارت دمشق مؤخراً والتقت الرئيس السوري بشار الأسد، وبنت رأيها حول علاقات التمويل التي تربط البيت الأبيض بـ "داعش" و"القاعدة" بناء على ما يقدمه النظام من "أدلة".

اللافت هنا أن غابارد لا تتحدث مطلقاً عن تأسيس واشنطن لـ "داعش" بل تتحدث فقط عن احتمال أن يقع الدعم الأميركي لفصائل المعارضة المعتدلة بأيدي جماعات متطرفة، سواء عبر استيلاء تلك الجماعات على أسلحة نوعية تقدمها واشنطن للمعارضة أو عبر الانشقاقات في صفوف المعارضة لالتحاق بـ "داعش" أو "النصرة" أو عبر تعدد الولاءات للمقاتلين المعارضين، لكن إعلام النظام يختلق "حقائق بديلة" ويزور الواقع محاولاً تبريء نفسه عبر إسناد مصادرة إلى "مواقع عالمية" مثل "روسيا اليوم "الممولة من الكرملين أو موقع "The Duran" الذي يصدر من موسكو وتصنفه المواقع المتخصصة على أنه موقع يقدم الأخبار الكاذبة "Fake News".

الثابت الوحيد في هذه المعادلة ككل، أنه مهما استفاد النظام أو أطراف أخرى من "داعش" في مرحلة لاحقة، إلا أن التنظيم نفسه لم يكن صناعة من أي أحد بما في ذلك النظام نفسه على الأغلب، بل كان نشوؤه في العراق لا في سوريا، نتيجة للتوترات الطائفية في العراق بين الأغلبية الشيعية والأقليات السنية والكردية، وخاصة بسبب التمييز ضد السنة من قبل حكومة بغداد التي يقودها سياسيون تابعون لإيران مع سطوة الميليشيات على المشهد السياسي هناك، حسب دراسة حديثة لـ "معهد دراسات الحرب" في واشنطن، إضافة للفراغ الذي حدث في العراق بعد الانهيارات المتتالية لتنظيم "القاعدة" عموماً بعد مقتل زعيمها أسامة بن لادن.

وبطبيعة الحال، لا يمكن يمكن أهمال الدور الجوهري الذي لعبه النظام السوري في تمدد "داعش" الناشئ حديثاً، عندما أطلق أعداداً كبيرة من الجهاديين المتطرفين من سجونه في عفو رئاسي مثير للشكوك العام 2011 كان هدفه حينها "أسلمة الثورة السلمية"، إذ انضم قسم كبير من أولئك المتطرفين لصفوف "داعش"، مقابل تأسيس أخرين تنظيمات جهادية مختلفة تحالفت أو تصارعت مع "داعش" بعد إعلانه الخلافة، مثل "جبهة النصرة" كفرع لـ "القاعدة" في البلاد.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها