آخر تحديث:17:22(بيروت)
الأربعاء 29/03/2017
share

ضحايا "مش أنت"

ريما ابراهيم | الأربعاء 29/03/2017
شارك المقال :
ضحايا "مش أنت"
برنامج "مش انت" الذي يعرف عن نفسه بأنه يسعى للتعرف على سمات اللبناني وردود أفعاله، من خلال وضعه في مواقف حساسة أو مثيرة للجدل، لا يكتفي بإجراء الاختبارات والتجارب، بل يقوم بتوزيع شهادات حسن/سوء سلوك بناء عليها. غير أن البرنامج الذي ينصب نفسه حكماً على الناس وأخلاقياتهم، لا يبدو أنه يتنبه إلى الأضرار التي يمكن أن يوقعها لدى من يستهدفهم بمقالبه.
هو لا يخفق فقط في فهم "خبايا العقل وطريقة عمله"، وإنما يخفق كذلك في رسم إشكالية المواضيع التي يختارها، ولعل الأفدح بينها كان موضوع الحلقة التي بثت بمناسبة عيد الأم، حيث تطرق إلى موضوع وضع الأمهات المسنات في دور للرعاية، فأرسل إلى الشارع ممثلةً لتلعب دور أم مسنّة مقعدة يسوقها إبنها، رغماً عنها، إلى دار للمسنين، مستعيناً بالمارة للاستدلال على عنوان الدار.

المشكلة هي أن البرنامج الذي يدّعي أنه يبحث ويجري تجارب علميّة "مدروسة"، غالباً ما ينطلق من الخلاصات عوضاً عن الوصول إليها، ويعامل ما يفترض أن يكون استنتاجات، معاملة المنطلقات المسلّم بها. ولم يعد النظر فيها حتى عندما دعت الحاجة الى مراجعتها كما جرى في الحلقة المذكورة، على سبيل المثال الفادح لا الحصر، إذ ظلّت الممثلة، تعيد وتكرّر اللازمة التي حفظتها، والتي لم يكن ملحوظاً في السيناريو المكتوب لدورها أن تحيد عنها. وذلك على الرغم من أن ردود أفعال من خضعوا للاختبار كانت تحتم عليها البحث عن إجابات أخرى، ليبدو التفاعل حقيقياً. 

غير أن ذلك لم يكن وارداً لأن البرنامج انطلق من أن ثمة احتمالاً واحداً يقف خلف إيداع الأبناء لآبائهم وأمهاتهم في مأوى للعجزة، وهو الجحود. فصوّر الإبن على أنه تجسيد للشر الخالص، وجعله يهينها ويعنفها لفظياً ونفسياً ويهدد بضربها وهجرها، عبر تركها في هذه الدار التي صورها كما لو كانت سلّة مهملات. 

في المقابل تمسكت الأم في مواجهته بدفاع أوحد، وهو أنها ليست "خرفانة" ليحق له أن يودعها هذه الدار، كما ظلت تكرّر عدداً من الكليشيهات، علماً أنه من الغرابة تجمعها في برنامج يدعي أنه علمي ومدروس، ومنها مثلاً طمع الابن في مال الأم وبيتها، وعدم إمكانية التعايش بينها وبين كنتها، وتفضيل الإبن لزوجته على أمه... وغيرها من المعطيات التي أحكمت إغلاق الباب أمام احتمالات أخرى قد تفرض اللجوء إلى خيار مماثل.

حتى عندما انتقلت المشادة بين الأم وابنها من الشارع إلى داخل دار الرعاية، حيث يعيش الناس الذين يدعي البرنامج أنه ينطق باسمهم ويرفع صوتهم، ظلت إجابات الممثلة معلبة منطلقة من أحكام مسبقة ودائرة في حلقة مفرغة، حلقة "عيب عليك وحرام عليك وأنا مش خرفانة وعم تتخلص مني وهيدي آخرتي ونسيتني...". 

المفارقة تجلت في قيام المسنين بمحاولات لطمأنتها وتهدئتها، وتوضيح جوانب اعتقدوا أنها غائبة عن ذهنها، لكنها ظلت تسألهم إن كانت أحوالهم كحالها، الحال التي تدعيها، فبدت كمن يملي عليهم ما يجب أن يشعروا به في وضع مماثل، وهو أنهم منسيون ومهملون ومتروكون ومرميون! 

لم تنتبه، كما لم ينتبه فريق الإعداد والمقدم ومخرج الحلقة، إلى فداحة ما يجري، بدليل أنهم لم يحذفوا في المونتاج رد مسنٍّ ضاق ذرعاً بها، بعدما استبسل في محاولة إفهامها إنه سعيد في إقامته وإنه يتلقى أفضل معاملة وإنه لا يشعر بأنه مرميّ، بل يتفهم أن أولاده مضطرون للعمل لتأمين حياتهم، وأن بقاءه مع أتراب له في هذه الدار هو أفضل من بقائه وحيداً في المنزل... عندما لاحظ أن محاولاته لم تلاقِ اصغاء، وأنها لم تنفك تكرر إنها ليست خرفانة، نهرها قائلاً: لو لم تكوني "خرفانة" لما شتمتِ المأوى، ألسنا بشراً نحن؟!

هذا المسن لم يكن الوحيد الذي حاول إفهام الممثلة إن الوضع ليس كما تصفه، فمعظم المسنين المقيمين في الدار فعلوا مثله، لكنها ظلت مصرّة على تصوير الوضع على أنه كارثي، غير عابئة بمشاعرهم ولا بما قد يسببه مشهدها من أذى لهم، ليصدق البرنامج، في هذه الحلقة بالذات، في أمر واحد وهو اطلاقه تسمية "ضحايا" على من انطلت عليهم حيلته. 

فهم فعلاً ضحايا مقالبه وكليشيهاته وتنظيره ومحدودية رؤيته وقصورها، فما شعروا به لا يمكن أن يتبخر بمجرد أن يعرفوا أن ما عاشوه ليس مشهداً حقيقياً وإنما هو افتراضي. 

لذا، ربما على هذا البرنامج أن يكتفي باختيار المواقف التي تتلاءم وقدراته المتواضعة على المعالجة، فيدع جانباً المواضيع الحساسة التي من الممكن أن تترك ندوباً لدى ضحاياها.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

ريما ابراهيم

ريما ابراهيم

كاتبة وناشطة حقوقية لبنانية