آخر تحديث:18:26(بيروت)
الخميس 23/03/2017
share

"أمّ الكل"

وليد بركسية | الخميس 23/03/2017
شارك المقال :
"أمّ الكل"
تؤدي أسماء الأسد دوراً جديداً وخاصاً في بروباغندا النظام السوري، وخلال الشهور الأخيرة باتت تقدم نوعاً دعائياً لم يعتد عليه السوريون في أدبيات تعامل النظام معهم، بشكل يكسر الذكورية والمركزية التي كانت مسلطة على شخص الرئيس كرمز وحيد أبدي للسلطة. ولا يشكل الفيلم الدعائي الجديد الذي قدمته "رئاسة الجمهورية السورية" من بطولة أسماء، بمناسبة عيد الأم، سوى مرحلة متصاعدة لذلك الدور الذي تعززه بحضور مواز عبر السوشيال ميديا، كأم وزوجة وشخصية رمزية في السياسة المحلية.

وخلال الفيلم الذي يحمل عنوان "أمّ الكل"، تظهر أسماء بثياب فاخرة وحذاء براق من أرقى الماركات العالمية، ووجه مزين بالماكياج وشعر مصفف بأناقة عصرية، وكأنها تظن نفسها الأميرة غرايس كيلي، نجمة هوليوود الأيقونية التي تركت الشهرة والمجد السينمائي بزواجها من أمير موناكو رينييه الثالث. وربما اكتشفت الدعاية الأسدية أن بإمكانها الاستفادة من أسماء كسيّدة أولى للنظام، بعد تقديم السينما العالمية فيلماً عن كيلي من بطولة النجمة نيكول كيدمان العام 2014.

عمليات الرتوش السابق والأناقة الطاغية للأسد بين جمهور من النساء البسيطات، ليست مجرد تمجيد لشخصية الأسد وإرضاء لغرورها، بل كان ضرورة لإضفاء شيء من اللمعان والبهرجة على الفيديو الدعائي كي يتناسب جوه العام مع الفكرة المحورية له وهي احتفال النظام بنصره في حلب، الذي ما زال إعلام النظام يتغنى بها بعد شهور من انتهاء المعارك هناك، رغم اشتعال جبهات جديدة ضد آخرها في العاصمة دمشق قبل أيام.

ولا يتخطى الموضوع الكليشيه للفيلم، استقبال أسماء لأولئك الأمهات في قصر فخم، لم يُحدد إن كان في دمشق أم في حلب. أما لقب "أمّ الكل" فهو تسمية أطلقها الفيلم وجمهور الموالين على أسماء، لتمتزج عبره مع سوريا "الأم الأرض"، وذلك منذ الدقيقة الأولى للفيلم وحتى نهايته على لسان "السيدة الأولى" نفسها وعدد من النساء الثكلى اللواتي ظهرن متشحات بالسواد ليتحدثن عن مقتل أبنائهن "بسبب الحرب".

وهنا تحاول أسماء تقديم دعاية النظام على أنها خطاب ودي شخصي، وليس رسمياً، ضمن سياسة "القوة الناعمة"، فتقف في مكانها ثابتة بين النساء الجالسات حولها وهن يصفقن بين العبارة والأخرى على طريقة المؤتمرات الحزبية البعثية. وتتسيد أسماء المشهد ببطولة مطلقة، مع تركيز الكاميرا عليها، بينما لا تشكل النساء حولها سوى رتوش و"كومبارس" لإكمال المشهد الدرامي المثير للشفقة، رغم قول الأسد مرات عديدة أن أمهات حلب هن بطلات المشهد اليوم وليس الجنود ولا النظام الذي انتصر.

ولكي يكمل الفيلم فكرة "الكل"، فإنه يقدّم أمّاً مسيحية وأخرى مسلمة محجبة، فقدا ابنيهما في حلب، وكل منهما تروي قصتها أمام الكاميرا وسعادتها الممزوجة بالفخر بعد استشهاد ابنها! وبغض النظر إن كانت تلك القصص حقيقية أم لا، وبغض النظر إن كانت تلك النساء راضيات بالظهور أمام الكاميرا أم مجبرات، فإن النتيجة النهائية تجعل الفيلم وضيعاً في استغلاله لمشاعر الآخرين والفاجعة الإنسانية في سوريا بالمجمل، وتحديداً مشاعر الأمومة النبيلة التي لا يستطيع أي منطق تشويهها بالادعاء أن هناك أمّاً تفرح لمقتل ابنها، في أي ظرف كان، خصوصاً إن كان السبب واجباً وفداء لـ "أم الكل".


والحال أن الفيلم ليس سوى نسخة رديئة من فيلم دعائي سابق أعدته قناة "روسيا 24" عن أسماء قبل أشهر، بشكل يظهر الفارق بين مستوى صناعة الدعاية في كل من دمشق وموسكو. حيث يفتقر الفيلم المحلي إلى الذكاء والتنوع، ويميل إلى المباشرة الفجة وكأنه مسلسل درامي محلي فاشل، وليس عملاً يروج لشخصيات سياسية مهما كانت تلك الشخصيات ديكتاتورية ودموية.

وتبدو أسماء الأسد خلال الفيلم بعيدة تماماً من صورتها "العفوية" في الفيلم الروسي، حيث كانت أنيقة ببساطة من دون ماكياج وتجولت بين بيوت أمهات القتلى قبل أن تستقبل بعضهم في القصر الجمهوري بدمشق. أما هنا فبدت أكثر رسمية وهي تلقي خطابأً جامداً، كمونولوغ يجب عليها أن تردده بصعوبة من دون روح أو عفوية، حول دور أمهات حلب في نصر النظام هناك على الإرهاب وعلى "ابن الجيران الأزعر واللص والمجرم" الذي هاجم حلب في إشارة إلى تركيا القريبة التي يعاديها النظام السوري أو إلى السوريين الذين طالبوا بالحرية وقاموا بثورة ضد النظام.

على أن حديث الأسد هنا يأتي من منطلق القوة لا الضعف، كما كان في السابق، بسبب إيمان النظام بانتصاره، ويبدو أنه صُنع قبل معركة دمشق الأخيرة كنوع من "الواجب" ومن ضرورة تقديم شيء في ذكرى عيد الأم التي يقدرها السوريون عموماً، خصوصاً مع الغضب المتزايد في صفوف الموالين من النزيف البشري الحاد في جيش النظام، وعدم وجود نظام عادل للتعويضات الاجتماعية أو وضع حد زمني للخدمة العسكرية الإلزامية، وبالطبع لا يتحدث الفيلم عن كل تلك التفاصيل بل تتحدث أمهات جنود النظام عن فرحهن بمقتل أولادهن دفاعاً عن "أمّ الكل".

وبخلاف التنوع السابق في الفيلم الروسي، لا تقدم الأسد في الفيلم شيئاً يذكر ولا تخاطب حتى جمهور الموالين ولا تطالب بتقديم المزيد من الشهداء والقتلى كي تعيش "أمّ الكل" في قصرها المشابه لقصور عالم "ديزني"، بل تتحدث فقط عن أهمية التكافل الاجتماعي وأهمية تربية الجيل الجديد من الأطفال السوريين على مبادئ الجيل القديم في محبة "الوطن"، الذي يعني الولاء لعائلة الأسد بطبيعة الحال، ملمحة إلى أن الجيل الجديد يحتاج تربية صارمة لأنه سمع كلمات وصفات لا يجب على السوريين سماعها، وهي تقصد من دون شك مفاهيم الحرية والديموقراطية والحق في التعبير الحر والثورة والاحتجاج والمساواة والعدالة الاجتماعية. وكلها مقدمات لحكم حديدي أعنف من أي فترة سابقة، يريد النظام فرضه ويمهد له من منطلق الحفاظ على الأمن في المستقبل.

ويبرز تناقض الفيلم في تلميحات الأسد لعدم وجود طائفية في سوريا بينما يعرض الفيلم لقطات للمساجد والكنائس ومقابلات مع أُمٍّ مسيحية وأخرى مسلمة بالتركيز على الرموز الدينية، للقول أن أسماء الأسد هي أُمّ الطوائف كافة من دون تمييز، بموازاة استذكار جمهور الموالين والصفحات الموالية عبر مواقع التواصل الاجتماعي صوراً للأسد في كنائس ومساجد كي يكتمل المشهد الدعائي العام، بينما وحدت القنوات الرسمية بثها لعرض الفيلم في وقت واحد، كأنه بلاغ رسمي لإعلان حرب أو انتهائها. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها