image
الجمعة 2017/11/10

آخر تحديث: 16:16 (بيروت)

مقتل بن لادن ضَعضَع "القاعدة".. فاعتزم "داعش" الخلود

الجمعة 2017/11/10 وليد بركسية
مقتل بن لادن ضَعضَع "القاعدة".. فاعتزم "داعش" الخلود
increase حجم الخط decrease
ربما لم يحمل زعيم تنظيم "القاعدة" الراحل، أسامة بن لادن، لقب خليفة المسلمين يوماً، مع أن الهدف النهائي لتنظيمه كان إنشاء دولة الخلافة، لكنه رغم ذلك يبقى أهم شخصية مؤثرة داخل الحركات الجهادية العالمية، التي انبثقت أو تماهت مع "القاعدة" خلال العقود الماضية في دول متعددة، بما في ذلك تنظيم "داعش" الذي تمكن من إنشاء دولة الخلافة فعلاً، في سوريا والعراق، ونصّب زعيمه أبو بكر البغدادي نفسه خليفة للمسلمين.


وأظهرت الملفات التي أصدرتها وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إيه"، الأسبوع الماضي، والتي تم الحصول عليها في غارة أبوتاباد العام 2011 في المخبأ السري لبن لادن، أن الاهتمام الإعلامي العالمي ببن لادن وإرث تنظيم "القاعدة"، مازال كبيراً بالنسبة للجمهور والخبراء على حد سواء، على الرغم من بروز "داعش" كجماعة منافسة أقوى بكثير لدرجة غيرت فيها كثيراً من المفاهيم بشأن الجهاد العالمي، حيث وصف المسؤولون الأميركيون في وزارتي الدفاع والخارجية عدة مرات "داعش" بأنه أكثر خطورة من "القاعدة"، منذ العام 2014.

وتأتي أهمية بن لادن من مكانته الرمزية داخل "القاعدة" حيث قضى معظم حياته كواحد من أبرز الإرهابيين المطلوبين في العالم، ولم يكن ذلك عندما أسس تنظيم "القاعدة" في وقت غير محدد بين العامين 1988 و1989، وما تلاه من سحب الجنسية السعودية منه العام 1994، بل بعد تأسيسه مع أيمن الظواهري "الجبهة العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين" العام 1998 التي كانت بداية لعمليات "القاعدة" الأكثر وحشية ضد الغرب والعمليات الخارجية وأبرزها هجمات 11 أيلول/سبتمبر2001 على أميركا.

ولعب بن لادن هنا دور الشخصية الرمزية للتنظيم والرئيس المسؤول عن التجنيد وبعث التنظيم في كل انتكاسة يتعرض لها لتأمين بقائه لسنوات. كما وضع استراتيجيات واسعة للتنظيم يعتمد معظمها على ملفه الشخصي وشخصيته واسمه ووضعه داخل الحركة الجهادية العالمية للضغط على الجماعات المرتبطة بالتنظيم في أماكن بعيدة من أجل اتباع توجيهاته كقائد ميداني وزعيم أيديولوجي/ديني في وقت واحد.

أما تنظيم "داعش" فأحدث خرقاً حقيقياً في طريقة تعامل كافة التنظيمات الجهادية السابقة مع المهاجرين إليه، ربما لأنه خرج من كونه مجرد تنظيم متشدد يقاتل من أجل إقامة "دولة إسلامية"، إلى إقامة تلك الدولة فعلاً. فلم يوظف المهاجرين إليه كمشاريع مقاتلين وانتحاريين فحسب، بل استخدمهم في بناء دولته على أرض الواقع، بحيث كان المهاجرون القادة الفعليين، كما تشير التقارير الاستخباراتية الغربية وإصدارات "داعش" نفسها. مع الإشارة إلى أن الإعلام كان أبرز مجالات توظيف المهاجرين، إذ أشرف عبد الرحمن الأميركي على صناعة البروباغندا الداعشية، إلى جانب رجلين فرنسيين مجهولي الهوية كانا يشرفان على مكتب التنظيم الإعلامي في مدينة الرقة السورية.

وتتناقض مكانة بن لادن، ضمن حركة الجهاد العالمية، مع دور "الخليفة" البغدادي، الذي لم يُدلِ طوال فترة بروز "داعش" سوى بملاحظات عامة قليلة، منها فيديو إعلان الخلافة في الموصل، وهو أحد المقاطع النادرة لزعيم التنظيم الذي لم تكن تعليقاته وحدها أو شخصيته هي الجاذب الأكبر بالنسبة للمقاتلين الأجانب من أجل الانضمام إلى "داعش". ذلك أن ما جذب العديد من الأجانب إلى "داعش" كانت أشرطة الفيديو الدعائية البارعة التي أصدرها التنظيم وحساباته الناشطة عبر وسائل الاعلام الاجتماعية التي يديرها مقاتلو التنظيم أنفسهم، والتي استخدم فيها التنظيم تقنيات سينمائية وتلفزيونية مستمدة بشكل خاص من برامج تلفزيون الواقع، لإحداث تأثير كبير، وبالتحديد في فيديوهات الإعدام الدموية.

وبين العامين 2001 و2011 أصدر تنظيم "القاعدة" ما لا يقل عن 30 مقطع فيديو أو تسجيل صوتي لبن لادن، رسم كل منها مرحلة أو نقطة مفصلية في تطور التنظيم. في حين أن البغدادي لم يظهر في أي مقطع، فيديو باستثناء مقطع إعلان الخلافة في مسجد النوري في الموصل العام 2014، إلى جانب خمسة مقاطع صوتية قصيرة، صدر آخرها قبل أسابيع، من أجل نفي التنظيم مقتلَ البغدادي وإثبات أنه ما زال على قيد الحياة، إثر المعلومات الروسية والأميركية التي زعمت مقتله، رغم أن ذلك، ولو صحّ، ما كان ليشكل حدثاً مهماً بقدر مقتل بن لادن العام 2011.

ومن اللافت أن "القاعدة" ما زال يستخدم صور بن لادن في إصداراته الجديدة، وأبرزها الإصدارات التي أعلنت عنها مؤسسة "السحاب" التابعة لـ"القاعدة" قبل أسابيع، بمناسبة الذكرى الـ16 لهجمات 11 أيلول/سبتمبر، والتي رسمت فيها وجه بن لادن على بُرجي مركز التجارة العالمي، ما يؤكد أن بن لادن سيُعرف دائما ًباسم الرجل الذي أخذ الإسلام الراديكالي العنيف ونشره في أنحاء العالم.

إلى ذلك، يعتبر "داعش" أكثر تنظيم متطرف استخداماً للسوشيال ميديا لنشر خطابه وتحديداً "تيليغرام" منذ بدء حرب شركات التكنولوجيا لمكافحة المحتوى المتطرف. ويحذر خبراء أميركيون، من أن الهزائم التي يتعرض لها التنظيم في سوريا والعراق عسكرياً، قد تجرفه نحو مناطق حديثة نسبياً وغير مألوفة بالنسبة إلى معارضيه الغربيين، في الفضاء الإلكتروني، حيث سيتحول اهتمام التنظيم الذي يخسر إرثه الأبرز، وهو الأراضي الواسعة التي أنشأ عليها الخلافة، نحو محاولة الحفاظ على التنظيم ووجوده في زوايا الإنترنت المظلمة من أجل إلهام المجندين المحتملين للقيام بعمليات من نمط "الذئب المنفرد" ضد أهداف "كافرة" بعيدة من الأراضي السابقة لدولة "الخلافة". وبذلك، يضمن بقاء نمطه الجهادي الخاص، في انتظار فرصة مواتية أخرى كي ينبعث من جديد في سوريا والعراق بوصفهما دولتين لا تتوافر فيهما حلول سياسية قادرة على القضاء على جذور الإرهاب نفسه.

ويرى باحثون متخصصون في الشؤون الجهادية، مثل أوتسو إيهو من مركز "آي إتش إس جين للإرهاب والتمرد"، و تشارلي وينتر وهو باحث بارز متخصص في دراسة دعاية "داعش" في مركز لندن الدولي لدراسة التطرف، أن "داعش" استعد سلفاً لاحتمال مقتل البغدادي منذ سنوات، حيث بنى هيكله التنظيمي بطريقة تضمن أن موت البغدادي لن يشكل ضربة موجعة للتنظيم، مع وجود شبكة واسعة نسبياً من القادة الآخرين. ويُحتمل أن تكون هناك هيكلية للخلافة، ضمن التنظيم، ما يعطيه بعض العمق، بعكس "القاعدة" التي انهارت بشكل واضح بعد مقتل بن لادن، حسبما نقلت صحيفة "واشنطن بوست".

ويجب القول هنا أن هناك سبباً لقلة ظهور البغدادي في دعاية التنظيم. إذ أدرك "داعش"، باكراً، أنه إذا وضع الكثير من التركيز على شخص واحد، يُمكن أن يُقتل، فإن المنظمة بأكملها ستعاني وتنهار نتيجة لذلك لاحقاً. ويعود ذلك إلى حقيقة بسيطة، هي أن "داعش" انبثق أصلاً من "القاعدة"، وبالتالي استفاد من تجربتها وطوّرها إلى المرحلة اللاحقة. إذ أسس أبومصعب الزرقاوي، النسخة السابقة من "داعش" تحت اسم تنظيم "القاعدة" في العراق العام 2004، عقب الغزو الأميركي للبلاد. علماً أن الزرقاوي، وهو أردني الجنسية، قُتل في غارة جوية أميركية العام 2006. وكما يوحي اسم المجموعة، كان التنظيم الناشئ مرتبطاً ببن لادن.

ومع تولي البغدادي قيادة ما تبقى من تنظيم "القاعدة" في العراق، العام 2010 تقريباً، كان بن لادن أقرب إلى زعيم أيديولوجي، منه إلى قائد حقيقي للتنظيم. وعندما قتلته القوات الأميركية في العام 2011، كان ذلك بمثابة نكسة كبيرة للحركات الجهادية العالمية التي تطلعت إليه دائماً للحصول على المشورة والتوجيهات. كما أن مقتله مزّق تنظيم "القاعدة" الذي كان في ذلك الوقت يتألف في معظمه من مجموعات منشقة مختلفة، وكانت مترابطة اسمياً بشكل أو بآخر، بسبب شخص بن لادن.

وقد شجع مقتل بن لادن، بعض الجماعات الإرهابية، على التخلي عن انتمائها القديم لـ"القاعدة" بسبب انتفاء الحافز الأصلي، وشعورها المستجد بأنها باتت غير ملزمة بنفوذ رجل ميت. وشمل ذلك مجموعة البغدادي التي وسعت نشاطها في العراق وسوريا، قبل أن تستفيد من انهيار الدولتين العراقية والسورية، لاغتنام فرصة تاريخية سمحت لها بتأسيس "الخلافة الإسلامية" للمرة الأولى منذ مئات السنين، وتغيير خريطة المنطقة للمرة الأولى منذ اتفاقية "سايكس بيكو".

هذا النمط من التأثير والتعلم ضمن حركات الجهاد العالمية، لن يتوقف. وتشير الدلائل إلى أن "القاعدة" بدأت تتعلم من "داعش" تقنيات تسويق نفسها، منذ أواخر العام 2014 عندما أصدرت مجلة "انبعاث" باللغة الانجليزية التي تشكل موازياً لمجلة "دابق" الداعشية الشهيرة. وهذا ما يمهد لانبعاثها بشكل أقوى، مستفيدة من زخم زعيمها الأسطوري بن لادن وتكريسها لشخصية ابنه حمزة كقائد محتمل مستقبلي لحركات الجهاد العالمية، بما في ذلك الحركات الضالة مثل "داعش"، بالاستفادة من تقنيات البروباغندا الداعشية لنشر أيديولوجيا أكثر تأثيراً في المستقبل.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها