آخر تحديث:17:30(بيروت)
الأحد 29/01/2017
share

"مش إنت" على "الجديد": إمتحان (لا)أخلاقي

زياد توبة | الأحد 29/01/2017
شارك المقال :
"مش إنت" على "الجديد": إمتحان (لا)أخلاقي يذهب البرنامج إلى الضحية مباشرة ليمتحنها ويحمّلها التبعات
يقدِّم تلفزيون "الجديد" برنامجاً بعنوان "مش إنت" تدور فكرته حول إختبار ردود الأفعال للمارة في الشارع عبر تسجيلها بكاميرا خفية عنهم.
يطرح البرنامج مجموعة من القضايا الإجتماعية الإشكالية كالتعنيف والعنصرية والتحرّش والسرقة والإعتداء على الآخرين، وغيرها من القضايا التي تطاول إنتهاكات حقوق العمال والموظفين أثناء دوام العمل. يصوغ البرنامج مادته في شكل إمتحان أخلاقي على طريقة مقلب من مقالب الكاميرا الخفية. 

هذه الردود ستكون مادة لفريق العمل في لتحليلها ضمن إطار "البوليتيكالي كورّكت"، أي مفهوم القول الصحيح والتصرف الصحيح. لا يكتفي فريق البرنامج بتصوير ردود الأفعال، بل يوزع شهادات حسن السلوك على الناس. ولا يقتصر "القول الصحيح" على هذا البرنامج بقدر ما يندرج ضمن خطاب سائد يبذل جهداً في تصحيح القول ويغفل عن تصحيح الفعل. 

يطرح البرنامج القضايا تلك، ضمن سؤال أخلاقي يتجاوز فيه السياق الإجتماعي للقضايا نفسها. يبدو الناس ضمن المقالب معزولين عن معيوشهم الإجتماعي وتعقيداته، وكأنهم ليسوا ضحايا تلك القضايا أصلاً. فها انت تُدبر مقلباً وتأتي بشاب ذي بنية جسدية ضخمة نسبياً، يبدو شكلياً أنه أحد فتوّات أحياء المدينة، وتجعله ظالماً لممثل آخر يلعب دور المستضعَف لتختبر -عبر الإحراج- رد فعل أناس مستضعفين أصلاً في حياتهم اليومية، ومن النموذج الأصلي الذي أتيت بممثل يشبهه. 

إن مفهوم أمن المواطن المهدَّد على الدوام نتيجة التفلُّت الأمني الذي بلغ أعلى مستوياته في البلاد، لا يسمح بإخضاع الناس لإختبار أخلاقي يعيشيون تفاصيله الواقعية كل لحظة. بل لا يسمح لفريق البرنامج بمعايرة من لم يبادر إلى التدخُّل. كيف يمكن إخضاع الناس إلى إختبار أخلاقي ساقط في لاأخلاقيته بالأصل؟

ليس هذا البرنامج وفكرته جديدين على عالم الإعلام، علماً أن فكرته معروضة نفذتها، منذ سنوات، محطات تلفزيونية عالمية. بيد أن إستخدامها هنا يأخذ شكلاً مختلفاً. يبدو ذلك النوع من البرامج أقرب إلى حملات التوعية والتنبيه حول بعض القضايا، أكثر مما يبدو فيه البرنامج في "الجديد" حيث السؤال أخلاقي يمتحن الناس ويحاكمهم. كما يبدو أن البرنامج يخترق خصوصية الناس ومشاعرهم وردود أفعالهم، ويشهّر بمن سقط ضحية المقلب الأخلاقي المفترض. 

من منّا كان ليتدخل وينصر أحداً وفِي باله صورة المجرم طارق يتيم يقتل أحد المواطنين في وضح النهار وبحضور جمهور لا بأس بعدده؟ هنا يمكن إمتحان أصحاب البرنامج بسؤالٍ: هل لنا الحق في الخوف في بلد يصدّر لنا الخوف في كل خطوة؟ أم سنُعتبر في محكمتكم ساقطين أخلاقياً إذا ما أحجمنا عن تدخل لصالح شخص نتشارك وإياه دور الضحية؟ 

يتغاضى البرنامج التلفزيوني عن حق الناس وخصوصيتهم وحريتهم في إختيار رد الفعل المناسب وفقاً لظروفهم. كما يتجاوز علاقة هؤلاء بالمنظومة السائدة وقيمها ومعاييرها. فإذا لا بد من وضع أحد في دائرة التقييم والإتهام والإدانة، فهو المنظومة برمتها. 

يتخطى البرنامج المنظومة السياسية، ويذهب إلى الضحية مباشرة ليمتحنها ويحمّلها تبعات أخلاقية لا يمكن عزلها عن سياق وخطاب المنظومة الحاكمة. لذلك، عندما يكون الخطاب الرسمي خطاباً فيه من العنصرية والإنتهاكات الحقوقية داخل مؤسسات المنظومة نفسها، ما يكفي لإمتحانه وإدانته، لا يمكن تصوير الناس بحيادية، وبالتالي تقييم سلوكهم.

إن إمتحان الناس أخلاقياً هنا يفترض "تلقائياً" حسن سلوك المنظومة وبراءتها. وبدلاً من صوغ القضايا في شكل إختبار أخلاقي للناس، كان من الممكن تقديمها في قالب توعوي يجنّبنا مشهداً يبدو فيه المسؤول عن البرنامج قاضياً في محكمة تفتيش، ويبدو فيه الناس فئران لتجارب أخلاقية ضمن وسط لاأخلاقي في الأصل. الناس في البرنامج ضحية مرتين: مرة في إمتحانها أخلاقياً عنوةً، ومرة في إمتهان مشاعرها وحقها في الخوف.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

زياد توبة

زياد توبة

باحث اجتماعي

مقالات أخرى للكاتب