آخر تحديث:11:58(بيروت)
الخميس 26/01/2017
share

يوسف الحسيني: دعاية النظام المصري للنظام السوري

وليد بركسية | الخميس 26/01/2017
شارك المقال :
يوسف الحسيني: دعاية النظام المصري للنظام السوري
انتقلت الحملات التي قام بها إعلاميون لبنانيون لتلميع صورة النظام السوري مؤخراً بطرق مباشرة وغير مباشرة، إلى الإعلام المصري. فالحلقات التي صورها الإعلامي يوسف الحسيني في حلب ضمن برنامجه "بتوقيت القاهرة"، وبدأ عرضها الاثنين لتستمر خلال الأسبوع الجاري، لم تكن أكثر من بروباغندا مكشوفة ومباشرة، واحتفال "بنصر" جيش النظام السوري في حلب "على الإرهاب"، بموازاة التقارب السياسي - العسكري الذي لم يعد سراً بين نظام الأسد ونظام السيسي "الشقيق".


مشكلة الحلقات الأساسية هي غياب الحيادية وتقديم الواقع من وجهة نظر واحدة، تفترض بسذاجة أن المشاهد كان غائباً عن الحدث السوري بالكامل، بالاستفادة من عمر الحرب السورية الطويل الذي قد يجعل المشاهد غير السوري، المصري مثلاً، بعيداً من الاهتمام التفصيلي بالأحداث اليومية السورية، ثم ضخ كمية من المعلومات المغلوطة باتجاه واحد بناء على حقائق عامة يتم تضخيمها لإيصال نتائج مشوهة بعيدة عن الحقيقة.

لا أحد ينكر مثلاً وجود الجماعات التكفيرية ضمن المعارضة السورية المسلحة، لكن الحسيني يتجه إلى تعميم صورتها لتشمل فكرة المعارضة بشكل تجريدي ثم الانتقال لتحميل المعارضة ككل مسؤولية دمار حلب وبقية المدن السورية كنتيجة لتلك المقدمة المغلوطة المعززة بصور الدمار والموت والقبور والكلمات العاطفية والروحانية التي يكثفها الحسيني في خطابه، وصولاً إلى التصوير من المقابر وقراءة أسماء الشهداء أمام الكاميرا، ليس لاستذكارهم بل للقول أن الإرهاب قتل مدنيين بالأسماء.

وضمن قالب التعميم المقصود يتم تمرير معلومات خاطئة تماماً ضمن سياق تضليلي متقن الصياغة، حيث أصر الحسيني طوال الحلقة على حصر المعارضة التي كانت موجودة في حلب بتنظيم "داعش" مع فصائل أخرى إرهابية أقل مستوى حسب تعبيره، رغم أن "داعش" لم يكن متواجداً بشكل فعلي داخل مدينة حلب وأحيائها الشرقية، بل كان متمركزاً في ريف حلب الشمالي بعد خروجه من المدينة العام 2014، ومن حينها حدثت معارك متعددة بينه وبين مجموعة من فصائل المعارضة في الشمال.

وهنا يتم اللعب على الألفاظ لتعميم فكرة الإرهاب ونقله من سوريا إلى مصر والاستناد للأفكار القومية القديمة حول ارتباط البلدين بمصير واحد، من أجل إثارة العواطف المصرية التي ترفض الإسلام السياسي والتطرف التكفيري، عبر مقارنات بعيدة وتلميحات الحسيني للإرهاب الواحد في كل مكان، مع تمجيد للعسكرة في البلدين.

وتصل أحادية الحلقات إلى حد إلغاء أحداث كاملة من التغطية وتجاهلها بتعتيم، مثل حصار حلب من قبل قوات النظام أو غارات الطيران الروسي - الروسي على المدنيين المحاصرين، وغيرها من المآسي الإنسانية التي مازالت طازجة في ذاكرة أي مشاهد، حتى لو كانت ميوله السياسية شديدة الولاء للنظام مثلاً، فلم يتجه الحسيني لتكذيب تلك الأحداث بل ركز على فكرة واحدة هي إرهابية المعارضة التكفيرية في سوريا، وتتزايد تلك الأحادية بالطريقة المونولوجية التي اعتمدها الحسيني في الحلقة وكأنه يفكر بصوت مرتفع أمام الكاميرا ولا يقدم برنامجاً معداً مسبقاً باحترافية شديدة الخبث وربما الشر أيضاً.


ويمكن القول أن شر الحسيني قديم نسبياً، فتصريحاته العنصرية والتحريضية ضد اللاجئين السوريين العام 2013 في برنامجه "السادة المحترمين" مازالت ماثلة في الأذهان، حينها اضطرت شبكة قنوات "أون تي في" للاعتذار من الشعب السوري واللاجئين السوريين في مصر عموماً في بيان رسمي، بعدما اتهم الحسيني اللاجئين بأنهم إرهابيون داعمون لجماعة "الأخوان المسلمين" قبل تهديدهم بالعقاب لا على يد السلطات المصرية بل على يد المصريين، أو بلطجية النظام المصري.

بموازة ذلك، يتباكى الحسيني على انهيار الإنسان في حلب ويسأل في انعدام كامل للأخلاق أين ذهب السكان، هو بالطبع لا يرى آلاف اللاجئين والنازحين والقتلى بفعل الحصار وقصف الطيران، ولا يرى مشاهد النزوح بعد دخول جيش النظام إلى حلب ولا يعترف أصلاً بالتهجير القسري والتغيير الديموغرافي، وعلى ما يبدو كل أولئك المدنيين المساكين وفق منطق النظام والحسيني أيضاً، ليسوا بشرا ولا مواطنين ولا يستحقون الشفقة والصلاة لمواجعهم، حتى لو ادعى الحسيني العكس في حديثه عن دفنه لجثة أحد عناصر جبهة "ألنصرة" الملقاة على الطريق من دون تصوير المشهد "القاسي".

والحال أن البرنامج يقدم بروباغندا رفيعة المستوى مقارنة مع الدعاية نفسها التي يقدمها إعلاميو النظام. فالحسيني صوّر في الأماكن ذاتها حيث ظهر مراسل التلفزيون السوري، شادي حلوة، مثل الجامع الأموي الكبير، ومشى في الشوارع ذاتها، مثل حي بستان القصر، لكن الحسيني يقدم دعايته بشكل مسبوك من منطلق أنه الغريب المثالي "Perfect Stranger" الذي ينطلق من دعايته على أنه حيادي بريء يتحدث عما يراه أمامه في زيارته "الكاجوال" بموازاة عدم وجود مصلحة شخصية مباشرة له في التزييف مثلاً، وهي مقدمة لا بد منها عند الدفاع عن الذات بشكل استباقي من أي اتهامات بتقديم البروباغندا قبل حدوثها أصلاً.

افتراض البراءة لا يمكن تقبله لأن النظام الأمني السوري يقوم على توجيه الإعلام بصرامة، وهو ما كشفه إعلاميون غربيون تم استقطابهم من طرف النظام لتقديم وجهة نظره في الإعلام العالمي، قبل أن يتمردوا وينشروا الحقيقة، مثل مارتن سميث في برنامج "فرونت لاين" الأميركي العام 2015 ومراسلة الإذاعة السويدية الرسمية سيسيليا أودين التي طردها النظام من البلاد قبل أشهر بسبب تغطيتها في حلب بشكل مخالف للتوجيهات، أما الحسيني فتحدث بصراحة عدة مرات عن تنسيق مع السفارة السورية في القاهرة وغيرها من المسؤولين السوريين، في الحلقة التي كشف بها عن كواليس رحلته إلى حلب.

ولم يكن اختيار المذيع الحسيني، من قبل النظام السوري وأجهزته المخابراتية، للظهور كأول إعلامي تلفزيوني عربي يصور في مدينة حلب المنكوبة، عبثياً أو اعتباطياً، فالحسيني اشتهر منذ سنوات بتأييده للنظام السوري والدفاع عنه وتلميع صورته عبر برامجه وحساباته في مواقع التواصل الاجتماعي، وقال مرات عديدة خلال العام 2016 أن صور الحصار والمجازر التي ارتكبها النظام بحق المدنيين في حلب الشرقية، مزورة وقديمة، أو ألقى بمسؤوليتها على الجماعات التكفيرية، كما دعا الرئيس المصري لتعزيز العلاقات مع النظام السوري العام في شهر كانون الأول/ديسمبر 2015.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها