آخر تحديث:18:34(بيروت)
الإثنين 23/01/2017
share

الأنبياء الجدد

زياد توبة | الإثنين 23/01/2017
شارك المقال :
الأنبياء الجدد بدائل تهبط علينا وتصلح لأي شعب وأي زمن وأي جغرافية بحسب المبشرين بالدِّين الجديد: دين الحبوب النافعة
لا تمرّ دقيقة واحدة من التصفّح عبر الإنترنت من دون أن يصادفك أحد قد شارك مقالة أو خبراً أو معلومة حول ما أثبتته آخر الدراسات، لا سيّما في مجالي الطب والطب البديل. تُصاغ معظم المقالات بين الوعيد والتهديد. منها من يعدنا بتحسُّن وظائف أعضاء جسدنا، ومنها من يصدّر لنا مشاهد الرعب المرهون بسلوكنا الاستهلاكي لبعض المنتوجات. 

لا تنفك تلك المقالات عن الإستناد إلى مراكز القرار المتمثلة بمختبر "علمي" ما أو جهة باحثة أو مجموعة أطباء أو إلى ما هنالك من سلطات علمية متفق على مرجعيتها في مضمار تشكيل المشهد الصحّي الملائم لكل زمان ومكان. تجد هذه السلطات الحديثة طريقها السهل إلينا عبر مواقع التواصل الإجتماعي. 

كثيراً ما تكون المصادر المطلعة متوافقة على درء المخاطر الناجمة عن تناول هذا الغذاء أو غيره. كما أنها تبرز تحذيراتها في فترات زمنية موحدة مما يُشكل "موضة" دارجة تبّشرنا بآخر ما تم التوصل إليه عند الزمرة العارفة بأحوالنا دون الرجوع إلينا. زمرة "الأنبياء الجدد" الذين يتسللون إلى المشهد الصحّي عبر النصيحة والهداية إلى أفضل المنتوجات. هذه الزمرة التي اكتسبت سلطة إضافية من شركات ومصانع لمجرّد أنها تاريخياً قد ورثت الأنبياء وباتت مصدراً من مصادر معرفتنا. 

هنا من الممكن ان نذكر ما قام به إدوارد بيرنيز عندما أراد ترويج فطور جديد للأميركيين، بحيث طلب من طبيبه الخاص مراسلة خمسة آلاف طبيب ليسألهم عن رأيهم في الفطور الدسم، ومعرفة إن كان تناوله صحيّاً. فحصل على 4500 رد من أطباء يوافقون على ما طرحه. سارع بيرنيز إلى نشر مقالات في الصحف الأميركية المختلفة بعنوان: "4500 طبيب ينصحون بالفطور الدسم".

ما قام به أسطورة الدعاية الإعلانية بيرنيز، ينطبق على الكثير مما نشهده في هذه المواد المنشورة والمتداولة في شبكات التواصل الإجتماعي وبعض المواقع الإلكترونية المتنوعة. تبدو فقرة "الصحّة" أساسية في بعض الجرائد وفي مواقعها الإلكترونية، بل تبذل جهداً كبيراً في ترويج تلك الفقرات وتحذيراتها نسبة لما تجذبه من قرّاء.  

تجد الإهتمام المستجد بالصحّة مرفقاً بطرائق الهداية إلى المنتوجات البديلة. علماً أن ما يتم النصح به الآن ليس دائماً، أي يمكن لنفس المروّج أن ينصحك بعد فترة بالتوقف عن تناول ما نصحك به سابقاً. تماماً كالإعلانات التي تروّج لمساحيق التنظيف التي تنفي فعالية ما كانت قد باعتك إياه سابقاً تحت حجة الإكتشاف الجديد وما أثبتته "المختبرات العلمية".

يمكننا، على سبيل المثال، أن نقارب كيف تتعامل بعض الجهات المعادية للـ"الغلوتن" في مأكولاتنا. هذا العنصر الذي تجده في القمح الذي يعود تاريخ تناوله لآلاف السنين. تكثر التنبيهات من الغلوتن ومضاره في صفحات الإنترنت. كما لا تكتفي الجهات/السلطات من عرض الأضرار المتوقعة بل تنصح وتبشّر وتدفع باتجاه تغيير السلوكات المعتادة من قبلنا في ما خصّ نظامنا الغذائي، بالتالي تقدِّم لنا البدائل. هذه البدائل لا علاقة لها بتاريخ نظامنا الغذائي ولا حتى بتاريخ زراعاتنا ودورة حياتنا. 

هذه البدائل الهابطة علينا تصلح لأي شعب وأي زمن وأي جغرافية بحسب المبشرين بالدين الجديد: دين الحبوب النافعة. صار من الصعب أن تشكي وجعاً ما أمام المبشّرين خوفاً من نصائحهم الحاضرة دوماً على الشكل التالي: "خفّف من تناول كذا...أكثر من تناول كذا". الواعي/المستهلك للمنتوجات البديلة يلعب دور الفقيه المفسّر بين النصّ القدسي المُنتج من قبل الجهة العارفة، وبيننا نحن غير المقتنعين بعد. 

تتعارض الدراسات في ما بينها لدرجة أننا بتنا حقلاً للتجارب. ففي الوقت الذي تنصح به غالبية الدراسات لإتباع نظام غذائي خالٍ من الغلوتن، نشر موقع دويتشه فيليه أن الطبيبة الألمانية بيانكا مورير أفادت أن الأطعمة الخالية من الغلوتن أصبحت موضة في أميركا، ولا يوجد أي مبرر للامتناع عن تناولها لمن ليس مصاباً بحساسية القمح "السيليلك".

ليس إنتقاصاً من أهمية الدراسات العلمية ومن أفضلية الأنظمة الغذائية البديلة، إنما ما يُصار إلى تداوله وترويجه واستهلاكه وحصرنا بين معادلة القيمة والسلوك يستحق وقفة. وقفة قد تفيد في التمرين على التمييز بين الدعاية الإعلانية والدراسة العلمية، لا سيّما ان هذه الدراسات نفسها ليست في سياق توافقي. ففي غالبية الأحيان تتضارب الدراسات حول العنصر الغذائي نفسه. إن التنبه من حجم المبالغة حول الأضرار الناجمة عن تناول بعض المأكولات يمنحنا فرصة نقدية للوعي السائد حول صحتنا. لقد بات من الصعب الفصل بين أهداف الدراسة العلمية وبين الدعاية. 

تبدو غالبية الدراسات، اليوم، دعايات إعلانية، يترجمها القارئ المقتنع بها سلوكاً إستهلاكياً في أروقة المتاجر التي باتت تُخصِّص زاوية لهم: الناجون من جحيم القمح! بهذا المعنى تبدو الدراسات العلمية الإعلانية على شاكلة المثل المبهم: "العز للرز والبرغل شنق حاله".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

زياد توبة

زياد توبة

باحث اجتماعي

مقالات أخرى للكاتب