آخر تحديث:14:23(بيروت)
الجمعة 30/09/2016
share

تدوينة عمر حاذق.. رُهاب المثلية كمَجاز مستعاد بحذر

أحمد ندا | الجمعة 30/09/2016
شارك المقال :
تدوينة عمر حاذق.. رُهاب المثلية كمَجاز مستعاد بحذر خرجت أصوات تنادي بالتعامل اللين مع عمر حاذق لأنه "سُجن عامين بسبب موقفه السياسي"! (الصورة عن "بوابة فيتو")
هذه ليست محاولة تفتيش في النيات، ولا هي اقتناص للحظة غليان في "فايسبوك". إنها محاولة لإبصار تفاصيل المشهد، على مسافة من عناصره المؤيدة والمعارضة، المدافعة والغاضبة.

اعتذر الشاعر عمر حاذق، مرتين، عن تدوينة "السجين مثليّ الجنس" والتي كتبها في صفحات "السفير العربي" ضمن جريدة "السفير" اللبنانية. يقول إن موقفه في هذه التدوينة المخزية، ليس من المثلية الجنسية، إنما إزاء اعتداء "محتمل" من زميل زنزانة، وهو ما ولّد لديه، وبشكل لاواعٍ، تحفزاً تجاه زميله. ثم لما تصاعد الهجوم عليه، وضّح أن ما سرده لن يضرّ زميله المقصود في التدوينة، وأنه الزميل خرج من السجن وليس تحت رحمة وزارة الداخلية، ولولا تأكده من بُعد الضرر لما سرد الحكاية. على أن اعتذار حاذق في منشورين متتاليين في "فايسبوك"، يؤكد المشكلة أكثر مما يمثل تراجعاً عمّا في نص "السفير" من فداحات. 
"كنت قد قرأت قبل سنوات عن أن انتهاج المثلية الجنسية يمكن أن يكون طارئاً وتعبيراً عنيفاً عن الغضب".. هكذا كتب عمر حاذق. وهذه العبارة كافية ليصبح الهجوم عليه ذا وجاهة.

فهو هنا، وعلى افتراض سلامة نيّته تجاه المثليين، يعبّر عن تصور شعبوي عام عن المثلية باعتبارها مرضاً، بوصفها رد فعل على مسبب اجتماعي أو نفسي، وهو ما يجرّد المثليين من هويتهم الجنسية. انتقاص من إنسانيتهم باعتبار أن ما هم فيه، "طارئ"، أي أنه يمكن بل يجب أحياناً محوه. 

لا يختلف هذا الموقف عن الإجراءات القمعية العنيفة، والتي مورست حتى منتصف القرن العشرين في أوروبا والولايات المتحدة، من إخصاء المثلي أو عزله أو إجباره على الانسلاخ عن هويته باعتبارها مرضاً أو عارضاً يمكن إزالته.

"رأيتُ (ص) مستغرقًا في النوم و(س) صاحياً بجواره، يمسك عضوه برفق ويضع يده على جسده. ضايقني المنظر، فأبعدتُ نظري فوراً، دون تفكير"، كتب حاذق، وبرّر لاحقاً بأنه افترض من "س" اعتداءً على زميله، خصوصاً بعد مجابهة الاثنين من قِبل زملاء العنبر. قليل من الفطنة يقول إن "ص" حوصر من زملائه، وهو نفسه الذي قال أن "المثلية الجنسية في العنبر غير مقبولة أبداً، بغض النظر عن الموقف منها في الحياة العادية الحرة". ألا يبرر هذا موقف "ص"، المتراجع الخائف من هذه السلطة الاجتماعية التي تحاصره والتي تعني –بالضرورة- إقصاءه وعزله في سجنه؟ ألن يكون موقف "ص" تجاه "س" أكثر حدة وعنفاً في حال كان هناك اعتداء بالفعل؟

بعد نشر التدوينة، والغضب الذي أثارته، ثم بعد اعتذار حاذق والجدل الذي افتُتح، تبرز أفكار كثيرة محمّلة بدلالات مشهدية غاية في الأهمية: أهمها فكرة "النقاوة الثورية"، التي ما زال البعض مصاباً بها. افتراض حسن نيات الجماعة الثورية وتقدّمية منظومة أفكارهم، ثم افتراض تجانسهم المعرفي والفكري. وهي مسألة صارت من السخافة إلى درجة يجب تفكيكها بكل عنف وضراوة، ربما لأنها إحدى الأفكار السنتمنتالية التي أضرّت بالثورة. 

ومن وراء التصور الواهم عن "الجماعة الثورية"، هناك تصور آخر أكثر ضرراً وضراوة، مكمنه التغاضي عن فداحات المنتمين إلى هذا المعسكر لمجرد حصولهم على ختم "الإجادة الثورية". خرجت أصوات تنادي بالتعامل اللين مع عمر حاذق لأنه "سُجن عامين بسبب موقفه السياسي"... فكيف يمكن فصل الثورية السياسية عن الأفكار الاجتماعية؟ 

الثورة تغيّر، أول ما تغير، البنية الاجتماعية، وهو الأثر الذي يبني عليه، كل مهتم بالمجال العام، آماله في التغيير المستقبلي. في فترة سابقة أثير نقاش (خافِت؟!) عن حقوقي اتُّهم بضرب زوجته، وكيف دافعت عنه دائرته القريبة بحجة أنه من "معسكرنا". لكن هذا الحقوقي الثوري ارتكب جريمة لا يمكن التغاضي عنها، ورد الفعل عليها لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون أقل من خطورتها. 

السلطوية فكرة تتعدى السياسة إلى كل ما عداها، بل إن أثرها أكثر وقاحة وقسوة في تمثلاتها الاجتماعية. ما كتبه عمر يستلزم الغضب ويستنهضه، ربما بشكل أقوى من مرتكب جريمة العنف المنزلي. لأن في مضمونه استعلاءً واحتقاراً مبطّناً للمثليين، باعتبارهم يعانون أمراضاً طارئة. حتى وإن قال عمر خلاف ذلك، فالتدوينة لا تحتمل تعدد التأويل، ومعناها واضح لا لبس فيه. بل إن خطورتها متجاوزة أيضاً، لأن الوصول إلى المجهّلين في المقال ليس صعباً. النخبة السياسية الآن تكاد تكون مغلقة على نفسها وتتقاطع دوائرها. 

ثم تأتي الفكرة الأكثر إشكالية، في الكلام الذاهب والآتي، حول "حرية عمر في التعبير عن رأيه".. لكن، ألم يكن قطاع كبير، من المجموعات المدافعة عن عمر حاذق اليوم، وقبل وقت قليل، غاضباً أشد الغضب من ناجي عباس (الصحافي المصري في "دويتشه فيله") ومنشوراته التحريضية ضد ماهينور المصري، على اعتبار أن العنف اللغوي ربما يتجاوز المادّي في قدرته على التأثير؟ 

ما كتبه عمر يتجاوز كلام ناجي عباس سوءاً لاعتبارات عديدة، أهمها أنه تعالٍ على فئة أقلوية في مصر، ما زالت تعاني وتنازع من أجل الاعتراف بهويتها، وقضية "باب البحر" التي دمرت حياة عشرات الشباب بسبب المذيعة منى عراقي، أرادت أن تفضح "المثلية" باعتبارها مشكلة اجتماعية كبيرة. حجم التأثير والفارق بين البرنامج والتدوينة لن يكون سبباً كافياً لتقليل الحدة. ثم إن "الإرهاب" الذي يتحدث عنه المدافعون عن عمر، لا يعدو كونه نوعاً من الانحطاط والمراوغة في تجميل ما يمكن اعتباره جريمة.

هنا هجوم على فئة أقلوية تعاني، أي المثليين. فماذا لو أن المقال استهدف المسيحيين، مثلاً، ونال منهم بالقدر نفسه من التعالي؟ هل سيكون الدفاع عن صاحب هذه الفكرة تحت بند "حرية الرأي"؟ أم سيُعتبر ما كتبه تحريضياً ومتعالياً ومستهدفاً لأقلية مسحوقة ومقهورة؟

في جانب آخر، فإن معظم قرّاء المقال من النخبة السياسية، اتخذوا موقفاً حاداً ضده. وهذا، إن دلّ على شيء، فإنه يدلّ على أن الصيرورة الاجتماعية التي خلقتها الثورة قادرة على التغيير بالفعل. قبل عشر سنوات، لم تكن لتتبادر إلى الذهن إمكانية نقاش حقوق المثليين بهذه القوة وسط النخبة.

هذا التغيير الاجتماعي يتضح أثره، مثلاً، في قضية الممثل أحمد عز وزينة، وانحياز غالب مع زينة ضد عز. لكن، مَن يذكر قضية الممثل أحمد الفيشاوي وهند الحناوي، والعداوة الاجتماعية الضارية تجاه الحناوي؟ 

ربما يكون عمر حاذق ثورياً مخلصاً، وربما يكون صادق النية في محاولته مراجعة أفكاره. لكن ما كتبه يعبّر عن مشكلات كثيرة لزم ألا تمر بسهولة، وانتماؤه للمعسكر الثوري يضيف سبباً أكبر للغضب منه. ربما يجب أن نسائل أنفسنا ثانية عمّا غيرته الثورة فينا حقاً.

ويبقى أن اللوم الأكبر في هذه التدوينة يقع على جريدة "السفير" التي مررتها، من دون أن ترى "مشكلة" فيها، وكان لزاماً أن يطاولها نصيب من النقد على قبولها نشر مثل هذا الانحطاط دونما مراجعة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها