الأحد 2016/07/24

آخر تحديث: 14:22 (بيروت)

مبروك.. أكلتوا الضرب!

الأحد 2016/07/24
مبروك.. أكلتوا الضرب!
لشراء فستان الزفاف، عليّ أن أكون ملكة أو أميرة حقيقية، لا في خيال العريس فحسب، لأقدر على ثمنه
increase حجم الخط decrease
التالي ليس مقالاً ولا تحليلاً ولا حتى قصة قصيرة. إنه تحذير للراغبين في الزواج أو المقدمين عليه. عودوا عن قراركم أو استعدوا للمواجهة!
قررتُ الزواج منذ سنة تقريباً، وكانت الحياة تعمل على ترتيب نفسها بكل سلاسة بلا فضل أو منّة، إلى أن حلّ موعد "التحضيرات".

كنت أعتقد أن الزواج قرار عقلاني مشترك لتمضية ما تمكن من العمر مع شخص يشبهني أو على الأقل قابل للتفاوض مع الكثير من الحب والوفاق. لكن اتضح ان الزواج عبارة عن "حفلة الزفاف" فقط لا غير، وربما الصور التي تجهز بعده بقليل. بناء عليه، سيتم استبدال كلمة زواج بزفاف لمزيد من الدقة. 

تحضير الزفاف – بالنسبة إلينا نحن عامة الشعب - يبدأ من اللحظة التي يوافق فيها مصرف الإسكان على القرض الذي سيمضي العروسان عمرهما (حرفياً) في سداد أقساطه. وفي أحسن الأحوال سيبدأ من اللحظة التي يتم فيها استئجار شقة صغيرة بالكاد تتسع لهما أو بترتيب غرفة في منزل الوالدين.

بعدما تجاوزتُ "قطوع" المنزل، بدأت التحضيرات لليوم الكبير، والخطوة الأولى كانت العثور على موقع الحفلة. او بعبارة أخرى البحث عمن يسرقني برضاي بمبلغ خيالي مقابل 4 ساعات. 

هل تعلمون أن مبلغ 10 آلاف دولار (وهو معتدل مقارنة بأسعار المجمّعات والفنادق الفارهة) هو فقط ثمن الأرض التي سيدوس عليها المدعوون، من دون أية ملحقات أو ترتيبات؟
الصدمة النفسية – بعد الصدمة المالية طبعاً – كانت عند معرفتي بالتفاصيل الدقيقة للزفاف، من أزهار و"كوشة" ولائحة طعام وتذكارات للمدعوين وتصوير وموسيقى وألوان الكراسي والطاولات واللائحة تطول...

ما هذا يا أهل الخير؟ كل هذا الجهد لاختيار تفاصيل تدوم أربع ساعات فقط؟ وأنا لم أقصّ شعري منذ 29 عاماً لأني لم أقرر بعد إذا كنت أحبه طويلاً أم قصيراً!

الأسوأ من كل هذا كان حجم الخيارات! المئات والمئات من الألوان والديكورات والأشكال والأصناف لأختار بينها، وأصحابها فخورون بإنجازاتهم ويكررون عبارة "أكيد رح تعجب العروس". 

طيب ماذا لو كانت العروس – التي هي حضرتي – لا تحب الزخرفة والبهرجة والألوان والتعقيدات كلها؟ هنيئاً للفتيات اللواتي تعجبهن قطع الكريستال الكبيرة البراقة، والألوان الممزوجة، والشيفون المطعّم بالحبيبات اللامعة. هنيئاً لهن على حياتهن السهلة لأن من تفضّل البساطة في هذه الأمور هي من أتعس مخلوقات الكوكب في تلك اللحظة. 

البساطة بالنسبة إلى منسقي حفلات الزفاف هي مرادف البشاعة، لأنها لا تتضمن البريق المطلوب. وبالتالي، فإن النقاش لا ينتهي قبل الانصياع لرأيهم، لتكون الحفلة فخمة و"كلاس". 

بمناسبة الفخامة، هل رأيتم فساتين الأعراس أخيراً؟ صدقوني لقد تحولت إلى "ثريات" دائرية ضخمة مرصعة بالشواروفسكي ولها ذيل طويل يكفي لتفصيل ثلاثة فساتين أخرى. 

عملية القياس تضمنت أكثر من 60 فستاناً، بالكاد أتمكن من التنفس داخلها. أما عملية المشي فليست يسيرة، في أقل تقدير، حتى أن إحداهن قالت لي "مش ضروري تمشي". المهم أن أكون "ملكة". هذه الكلمة التي تكررت على مسامعي في كل مرة جربت فيها فستاناً. 

ماذا لو لم أرغب في أن أكون ملكة ولا حتى أميرة؟ لا أحلامى ملكية لدي، ولا طموح سوى أن أجد فستاناً بسيطاً أدور فيه بسهولة في قاعة الحفلة التي سأدفع ثمنها 10 آلاف دولار.   

أما أسعار الفساتين؟ لنقل فقط أن إيجارها لليلة واحدة يساوي ثلاثة أضعاف راتبي الشهري، في حين أن شراءها يتطلب مني ان أكون ملكة أو أميرة في العالم الحقيقي لأتمكن من تحمل تكلفتها. 

لتكتمل طلّتك عزيزتي العروس تحتاجين إلى مصفف شعر، ومكياج فاخر ثلاثي الأبعاد، يرسم لك وجهاً آخر فوق وجهك الحقيقي، وصفّاً من الرموش التي يمكنك رؤيتها بالعين المجردة وأنت "ترمشين"، حتى بالكاد يعرفك العريس. وطبعاً الكلفة هنا لا تقل عن أسعار الفساتين الواردة أعلاه. 

هل أخبرتكم عن موضة "خبراء التجميل" لهذا الموسم؟ تأتي موظفة الاستقبال مرحبة بي وتباغتني بوابل من الأسئلة من عيار "ما شكل فستانك، ما هو أسلوبك؟ أترغبين بالكونتور؟ ما نوع المكياج الذي تفضلينه"؟

إجابتي طبعاً غير مرحب بها إطلاقاً لأني أريد "مكياجاً بسيطاً وناعماً" فترمقني بنظرة "يا حرام" وتهمس في أذن "دكتور المكياج" الذي يعتبر نفسه إلهاً يجترح المعجزات، فيقول لي: "منعمل شي خفيف ومنركب رموش وكونتور للوجه و..." هذه هي التركيبة البسيطة ولا أريد أن أعلم ما هو المكياج غير البسيط في هذه الحالة.

المهم اتفقنا بشق الأنفس على جلسة "الحدادة والبويا" ليعطيني ورقة أوقعها تفيد أنني وبكامل رضاي أسمح له باستخدام صوري في مواقع التواصل الاجتماعية الخاصة به، كدعاية. 

ما علينا... 

هل فكرتم ببطاقات الدعوات؟ اتضح ايضاً أن عليَ إعداد نوعين منها بأسلوبين مختلفين. الحل الوحيد للحصول على بطاقات دعوة مرحة وعصرية تشبهنا كان أن نقوم بإرضاء الأذواق الكلاسيكية الرسمية لكبار السن "البالغين". وفي النهاية، الزفاف للمدعوين وليس للعروسين، كما قيل لي مراراً وتكراراً خلال مرحلة التحضير. 

الزفّة قصة أخرى، ربما قصة لوحدها. فهي من أساسيات الحفلة لاستقبال العروس التي تأتي إما محمولة على هودج أو معلقة من رافعة فوق السحاب أو في مركب يمخر عباب البحر وغيرها من الحركات البهلوانية التي لم أفكر فيها يوماً. 

أيضاً كان عليّ الاختيار بين الزفة اللبنانية الأصيلة، مع ملحقاتها من الطبل والخيل وربما جرن الكبة، وبين الزفة المودرن، والزفة الكوبية، والكلاسيكية، والإسبانية، وغيرها من الزفات متعددة الجنسيات. 

المهم قررت الاستغناء عن الزفة لأنها مسرحية مصغرة أخرى أنا في غنى عنها، من بين كل المسرحيات الأخرى التي يتوجب عليّ تمثيلها في اليوم المنتظر. 

باختصار، حفلة الزفاف عبارة عن مسرحية وادعاء ومظاهر خادعة ومصاريف لا لزوم لها، تهدف إلى إرضاء الضيوف والتشاوف عليهم في الوقت ذاته، على أن تُسدّد القروض المصرفية لسنوات مقبلة "على الحلوة والمُرّة".

وربما من الضروري ان أذكر الزواج الرسمي ومعاملاته، لا سيما لدى قليلي الحظ من الطوائف المختلفة، الذين لم يحالفهم الحظ باللجوء للزواج المدني لاعتبارات واضحة وضوح الشمس. 

طوبى للشجعان الذين تمكنوا من الهروب على أول طائرة الى قبرص، وكان كلفة الرحلة والزواج وحفلة الزفاف 10 في المئة من تكاليف "ليلة العُمر" اللبنانية. 

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها