آخر تحديث:18:45(بيروت)
الخميس 08/12/2016
share

"الأبيض ما بيغطي الاغتصاب".. انتصار الحراك الالكتروني

ريما ابراهيم | الخميس 08/12/2016
شارك المقال :
"الأبيض ما بيغطي الاغتصاب".. انتصار الحراك الالكتروني
ترى المشهد من بعيد، فتخاله عرساً جماعياً. يغشك الأبيض ويعميك سطوعه عن رؤية الحقيقة. الحقيقة التي لا تحتاج إلى الكثير من التدقيق لتراها، هي أن هذه الأثواب البيضاء ليست أثواب فرح، وإن كان يُراد لها أن تبدو كذلك. تحت الطُرح البيض أثواب ممزقة، وخِرقٌ تضمّد جراحاً لم تعالج فبقيت تنزف... 
هذا المشهد سرعان ما يذكرك بفيديو استوقفك مراراً الأسبوع الماضي في صفحات "فايسبوك". أينما نظرت، رأيته كما رآه كثيرون مثلك، فقد تمت مشاركته أكثر من أحد عشر ألف مرة، مما وضعه في مرمى النظر، ورفع عدد مشاهداته إلى حوالى المليونين وخمسمئة ألف مشاهدة.  

بعد ايام على اطلاق الحملة، وافقت لجنة الإدارة والعدل، أمس الأربعاء، على اقتراح النائب إيلي كيروز الرامي إلى إلغاء المادة 522 التي تشكل حماية للمغتصِب عوضاً عن حمايتها للضحية، كونها تعفي المغتَصِب من العقاب في حال تزوج بضحيته. وهي تنتظر تصويت الهيئة العامة على هذا الإقتراح لتدفن سحيقاً إلى جانب العقليات والموروثات الثقافية التي سمحت يوماً بارتكاب جرم سنها. بذلك، تكون الحملة، ومع رافقها من حراك، نجحت، وحققت فوزاً ساحقاً، ملأ الفضاء الالكتروني بعبارة "مبروك للبنانيات" و"#الاغتصاب_جريمة".

مشهد العرائس أمام مجلس النواب وكذلك الفيديو، كانا ضمن حملة منظمة "أبعاد" المطالبة بإلغاء المادة 522 من قانون العقوبات، التي تنصّ على إعفاء المغتصب من الملاحقة القانونية إن تزوج بضحيته. 

الحملة على بساطتها، خلاقة وذكية، لا تثرثر، بل تقول ما قلّ من مفيد الكلام، وما لفت من الأفعال، وما عبّر من الشعارات. وقد سبق للمنظمة أن شاركت بشكل ملفت في "ماراثون بيروت" ما أوصل إلى فوزها بجائزة أفضل زي وأفضل رسالة. كما نجحت الأسبوع الفائت في جعل كاميرات التلفزيونات المتمركزة أمام مجلس النواب، تتجه نحو ممثلتها، بطلة الفيديو الترويجي الذي قالت عنه، على صفحتها في "فايسبوك"، إنه يمثل واقع وشعور كل إمرأة مجبرة على الزواج من مغتصبها.  

الفيديو صادم، فهو يحاصر مشاهده ويشعره بأنه من يختنق عوضاً عن العروس-الضحية. وينجح في أقل من دقيقة في جعله يعيش الفاجعة التي حتماً ستصيب من تجد نفسها في موقف مماثل، محاصرة بين فكي مجرم وعائلة. مجرم اغتصب جسدها، وعائلة، ربما كانت لا تدرك، أنها على وشك اغتصاب روح ابنتها.

ولكن الأوان آن لتدرك هذه العائلة كنه فعلها وحقيقته. فإجبار امرأة على الزواج من مغتصبها لا يقلّ فداحةً عن فعل الإغتصاب نفسه. بل هو إتمام له، وسماحٌ بتكراره، وإجهازٌ على ما بقي من روح لدى ضحيته. وأدهى ما في الأمر أن يتم ذلك بمباركة المنظومة التي من المفترض أن تحمي. فيكون الإفلات من العقاب في هذه الجريمة مشرعاً وقانونياً. 

شعار الحملة يقول "الأبيض ما بيغطي الإغتصاب"، وهو يبدو في الظاهر بسيطاً، لكنه في العمق يخضّ الماء العكر الراكد في قعر الضمير المجتمعي، الذي ارتضى مطولاً التضحية بالنساء على محراب الحفاظ على شرف مزيف. فأين الشرف في اختزال المرأة، بكل ما تتمتع به من شخصية، وتتسم به من صفات، وتحمله من أفكار، ويضج فيها من مشاعر، وتتطلع إليه من أحلام، إلى مجرد عذرية مفقودة، أي بضاعة معطوبة يرمى بها إلى من عطبها. فتقدم إلى من انتهك كرامتها وإنسانيتها ومارس معها بالعنف والغصب والإكراه ما كان من المفترض أن يكون حباً، ليكمل اختزالها إلى جسد يفرغ فيه شحناته المجرمة. 
آن الأوان ليعترف المشرع بفظاعة المادة 522 التي تشكل عاراً على المنظومة القانونية. هذه المادة هي في طريقها إلى الزوال كأنها لم توجد يوماً. وبعد سلسلة من الهزائم والإنتكاسات، التي مني بها المجتمع المدني، يأتي انتصار مماثل، حتى لو اعتبره البعض صغيراً وجزئياً، ليعيد للناس، وللناشطين تحديداً، الثقة بجدوى التحرك، وليعيد إحياء الأمل بالتغيير، الذي تضاءل حتى كاد يلامس العدم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

ريما ابراهيم

ريما ابراهيم

كاتبة وناشطة حقوقية لبنانية