آخر تحديث:18:13(بيروت)
الجمعة 18/11/2016
share

في جامعتنا.. ترامب

لبنى الأمين | الجمعة 18/11/2016
شارك المقال :
  • 0

في جامعتنا.. ترامب طالبة في جامعة جورج واشنطن تتظاهر ضد رئاسة ترامب (غيتي)
إستيقظتُ يوم الأربعاء من نوم غير هانئ. لم يشِ المساء السابق بالاضطراب الذي آلت إليه الليلة. كنت قد ذهبت إلى صف الرياضة، متعجّبة في طريقي إلى النادي من هدوء الشارع. لا دليل على أنّ انتخاب الرئيس الجديد للبلاد جرى يومها، وستعلن نتيجته في ساعات قليلة. 

هزئت بيني وبين نفسي من المزاج الأميركي: مباراة بايسبول تخرج المئات إلى الشوارع، فرح عارم واحتفالات ضاجّة تعمّ مدينة شيكاغو عند فوز فريقها الأسبوع الماضي بقمّة تعرف بقمّة "العالم" (مع أنّ كلّ الفرق المتبارية فيها، ما عدا فريق كندي واحد، هي فرق أميركية)، وانتخابات لا يشعر بها المرء. 

تساءلت هل يخرج أحد إلى الشارع احتفالاً بفوز هيلاري كلينتون؟ (كنت متأكدة من النتيجة!). في نهاية صف الرياضة أزعجني تمنّي المدرّب لنا فوز المرشّح الذي نبغيه، وكأنّ الانتخابات لعبة يانصيب (أو لعبة بايسبول). عند خروجي من النادي وجدت رسالة خطيّة على هاتفي من زوجي الأميركي الموجود في انكلترا يقول لي فيها: "لا تحتفلي بفوز كلينتون بعد". فتحت "فايسبوك" فوجدت الكثير من الأصدقاء يتحسّرون على النتائج المتوافدة من ولاية فلوريدا. 

عندما وصلت إلى البيت، دخلت صفحة "سي ان ان" على الانترنت وتابعت البثّ الحي. لم أترك الشاشة لحظة، وكأنّي إن تركتها سيغتنم ما أخشاه الفرصة ليحصل. 

كان كيفن، يرسل لي، كل نصف ساعة، ترجيحات "نيويورك تايمز" للفائز، بناء على النتائج المتوافدة. تنحسر فيها في كل مرة فرصة كلينتون وتكبر فرصة دونالد ترامب. كيفن الهادئ عادة صار متوتّراً أكثر فأكثر، يهاتفني لنتحادث ويقول لي اذا حكينا يلتهي وينسى ما يحصل. 

بقينا على  المنوال نفسه حتّى طلع الصباح عنده في أكسفورد، فقرّر النوم. أنا كذلك نمت قبل النهاية، لكنّي استيقظت فجراً وفتحت "سي إن إن" على هاتفي، وقرأت الاعلان على أسفل الشاشة: "دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأميركية". حاربت طويلاً لأسترجع الغفوة. 

عدت واستيقظت على رسالة خطيّة من قريب لكيفن موجهة لي وله، يقول لنا فيها أنّه يتمنّى ألا تسبّب النتيجة جفاءً بيننا. غصن سلام يرسله إلينا هو الذي صوّت وزوجته لترامب. كنت قد شاهدت السجال المتلفز الأوّل بين المرشّحين معهما في بيتهما. كان السجال الذي عبّر فيه ترامب عن فخره بعدم دفعه للضرائب، ودافع فيه عن نشاطات البوليس في أميركا رغم أنّهم متهّمون بقتل العديد من المواطنين السود الأبرياء، وانتقد سياسة كلينتون حيال اللاجئين السوريين لأنّهم يضمّون - بحسبه - إرهابيّين إسلامييّن. 

سألتهما عن رأيهما من موقف ترامب حيال المسلمين في أميركا، وهو كان قد وعد في أحد خطاباته بنبذهم كلهم من البلاد. كان رأيهما أنّه لا يعني ما يقوله. سألتهما عن موقفه الرافض للمغتربين، فكان رأيهما أن للمغتربين الموجودين قانونياً الحق في البقاء. قالا أنّ وسائل الإعلام الليبراليّة منحازة ضد ترامب وتضخّم أقواله. قالا أنّهما ليسا مع ترامب، لكنهما ضد كلينتون وأوباما، وخصوصاً ضد نظام الضمان الصحي الإجباري الذي أرساه أوباما (Obamacare). هو الموقف الجمهوري التقليدي ضد تدخل الدولة في المجتمع. 

شرعتُ أستعد للذهاب إلى الجامعة. "نورثويسترن" في شيكاغو. كانت الرسائل الالكترونية من جهات رسميّة مختلفة من الجامعة تتوافد، مفادها التعبير عن التضامن، نظراً لصعوبة الحدث للعديد من الافراد، وخصوصاً للأقليّات. في أحد الايميلات شجّعنا ممثّل الأساتذة على المباشرة في التعليم واستخدام الحدث كلحظة تعليميّة (teachable moment). 

وصلت إلى القسم وكان الجو جو عزاء. بعض الزملاء يتناقشون في الرواق. زميلان عانقاني عند رؤيتي. في حمام النساء، زميلة تنشف دموعها. تحضّرت للصف، وكان موضوع اليوم غاندي ومبدأ اللاعنف. صرت أفكّر: هل أناقش الانتخابات في الصف وهو صف عن الفكر السياسي؟ وكيف أدير النقاش إن احتدم؟

في طريقي الى الصف التقيت بإحدى الطالبات. سألتها عن حالها. قالت إنها قضت الصباح تبكي وهي خائفة ممّا يقول يعض من أصدقائها في "فايسبوك". فهي سمراء، وكانت قد درَست في مدرسة غالبيّتها من البيض، كما فسّرت لي، وهؤلاء يحتفلون اليوم وينشرون أقوالاً استفزازية ضد الأقليّات.

سألت الطلاب في الصف عن رأيهم في الانتخابات، وطلبتُ منهم أن يستعينوا بالأفكار التي درسناها في الصف في تعليقاتهم وعدم إهانة الطرف الآخر. أكثرهم حكى عن مفهوم الخوف كما قدّمه ماكيافيللي، قائلين إنّ ترامب فاز بإثارته الخوف، خصوصاً من المغتربين والمسلمين.

طالب واحد عبّر عن استيائه من الاصطفاف الايديولوجي وعدم السماح للمعتدلين بالتعبير عن آرائهم، ثم أضاف مسرعاً أنّه لم يصوّت لترامب. انتهى النقاش بالحديث عن المسألة الجندرية وانتقلنا إلى غاندي. 

بعد الصف زارتني طالبة في مكتبي. طرحت عليّ بعض الأسئلة عن الورقة البحثية المتوجبة الأسبوع التالي. عند انتهائنا من الحديث، وقبل خروجها، قالت لي أنّها لا تعرف الكثير عن السياسة. ثم تابعت بأنها لم تشارك في النقاش في الصف لأنهّا شعرت بأنّ موقفها لن يكون مقبولاً من قبل الطلاب الآخرين. وثم، وكأنها تحرّرت من سرّها، صارت تقول لي كيف أنّها تشعر بأنّها جزء من أقليّة مقموعة في الجامعة.. وأنّها مع ترامب.. وأنهّا من بلدة معظمها من الأغنياء البيض وأنّ أباها صوّت لترامب لأنّه لا يثق بكلينتون ولا بالطبقة السياسية، وأنّ التغيير ضروري، ولو كان ترامب سيئًا فليس أسوأ من الوضع الحالي. وقالت أنّها تجد التحرّكات السياسية مثل black lives matter، التي ظهرت في الأشهر الأخيرة اعتراضاً على الانحياز الذي يمارسه البوليس ضد السود، عنيفة وعدوانية. 

هي تتكلّم وأنا أفكّر ماذا أقول لها. لم أرد أن أحرجها، لكني لم أرد أيضاً أن أشّجعّها في موقفها، فقلت لها أن على المحظوظين منّا التعاطف مع الأقل حظاً في مجتمعنا، ومحاولة فهم وضعهم. كذلك قلت لها أنّني لست أميركية ولم أصوّت. هي تركت مكتبي بعد نصف ساعة وأنا وجدت نفسي مرهقة. 

دعاني زميل لنشرب كأساً سويّة. سألتنا النادلة في الحانة عن يومنا وتنهّدنا ثلاثتنا. حدّثني زميلي عن مبادرات بدأت للتنظيم لمعارضة ترامب ودعم الأقليّات. بعد كأسين من الجين، ركبتُ القطار إلى البيت. لم يكن أحد في العربة يتكلّم عن الانتخابات.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

لبنى الأمين

لبنى الأمين

أكاديمية لبنانية في جامعة "نورثويسترن" - شيكاغو