آخر تحديث:20:45(بيروت)
الثلاثاء 26/01/2016
share

مصر: بالونات الواقي الذكري.. ضحكة مُكلِفة بوجه دولة العصاب

أحمد ندا | الثلاثاء 26/01/2016
شارك المقال :
  • 0

مصر: بالونات الواقي الذكري.. ضحكة مُكلِفة بوجه دولة العصاب فريق عمل "أبلة فاهيتا" أصدر بياناً تبرأ فيه من شادي أبو زيد
من سيضحك أخيراً هذه المرة؟ 

شادي حسين أبو زيد مراسل برنامج "أبلة فاهيتا"، والممثل الشاب الذي لم يكمل العشرين عاما أحمد مالك، كانا يصوران مزحة: يملآن مجموعة من الواقيات الذكرية بالهواء، لتتحول إلى بالونات، كتبوا عليها "من الشباب إلى الشرطة المصرية في 25 يناير"، وطافوا الشوارع الخالية إلا من مجندي الأمن المركزي والمخبرين حاملي صور السيسي، والغارقين في أحلام الدولة والريادة المتوهمة.

"أحمد مالك" لم يظهر في الفيديو، لكن صوت ضحكاته كانت في الخلفية، حيث أن الضحك كله في تعبيرات وجه شادي التي تبدو جادة، بل مبالِغة في الجدية. ينزل الشباب إلى الشارع ويوزعون البالونات على المجندين، ويتقمص شادي دور عصابيي الدولة. يسجد على أرض الميدان، يقبّل العابرين، يصيح "تحيا مصر".. الفيديو يحقق مشاهدات تتجاوز المليون وربع المليون مشاهدة في أقل من 24 ساعة.

يكتب شادي بعد الفيديو: طالما أنه لا يوجد متنفس سنحاربهم "بالسف"، وهي العبارة المصرية الآتية من عالم شرائط الكاسيت، حين ينفلت شريط السليليويد ويتشوه الصوت. السف الآن صار نوعا قاسيا من السخرية بما هي تشويه متعمد. شادي "شاطر" في السف. سبب قوة الفقرات الخارجية لبرنامج فاهيتا شبه الميت على قناة "سي بي سي"، إذ انتشرت فقراته في مهرجان القاهرة أو رأس السنة أو في دائرة توفيق عكاشة الانتخابية ضحكة منتزعة بخفة الشارع.

عندما قام بتصوير الفيديو وبثه، كان يعلم جيدا ما ينتظره، كتب على حسابه: "يلا نضحك كتير النهاردة علشان بكرة النكتة هتخلص وهتقلب غمّ.. وأعتقد لما تقلب غمّ كله هيعمل مش واخد باله".

نحن إذن أمام وعي مكتوم، غاضب يحاول توجيه طاقته نحو الأداة الوحيدة "شبه المتاحة" الآن. السخرية العنيفة، رغم ما يتوقع انتظاره. التعليقات على الفيديو كلها تندرج تحت "حتروح في داهية يا شادي". الكل يعلم، وهو أولهم، أن الدولة المجروحة في كبرياء شرطتها وهيبتها لن تتحمل هذا المزاح الثقيل.. وعليه كانت تبعات الفيديو مدوية مثل صوت ضحكات مشاهديه تماما.

***

ذكرى ثورة يناير هذا العام مرت في صمت. القاهرة تحوّلت إلى مدينة للأشباح. 25 يناير إجازة رسمية للمصالح الحكومية والمدارس والجامعات. الحرارة لا تتجاوز ثمانية درجات مئوية. الشوارع تتعسكر بكمائن الداخلية ومدرعات الجيش، ناهيك عن بهارات الذعر على الشاشات منذ بداية العام خوفاً من تظاهرات غير محتملة الحدوث.

المدينة تتكوم على ذاتها والذكرى تعود إلى نقطة البداية على هيئة وسوم وتدوينات وذكريات فردية على مواقع التواصل الاجتماعي.. على السطح كل شيء هادئ في برّ مصر.

تحت الغلاف الخارجي لهذا الهدوء المخيف، غليان من كل الأطراف. القلق المغلف باللامبالاة من القطاعات الثورية، ومن رعونة الأجهزة الأمنية في القبض العشوائي على الجالسين في بيوتهم بعد حملة تفيش البيوت في منطقة وسط البلد وما حولها.. الدولة تتجنزر برهاب أحداث الثامن والعشرين من يناير، بعدما خلعت "الميري" أمام فيضان الغضب الشعبي في ذلك الوقت.. كل الأطراف في حالة تحفز من أي تحرك ولو بسيط من الطرف الآخر. أي شرارة تشعل الوضع، حتى لو كانت الشرارة "فيديو".

***

ما حدث تاليا كان متوقعا تماما. ما لم يكن متوقعاً هو هذا التفاعل الواسع من كل الأطراف، الملايين من الجهتين الدولتية والثورية تتحدث عن الفيديو، لا كضحكة لكن كفعل احتجاجي..

صفحة الشرطة المصرية بعد ليلة منّنت فيها المواطنين لأنها تقف في الشوارع في مواجهة البرد القارص، أخيرا تجد ضالتها في خلق معركة. ملحمة تفرغ فيها طاقات الكرامة المجروحة في فيديو شادي ومالك، وتنهال التدوينات التي تتوعد الشابين بالانتقام، و"اتهامهم" بالمثلية الجنسية، مستعينة بخطاب الحرية المبتورة الذي تتبناه الدولة: "هذه ليست حرية رأي أو حرية تعبير، هذه سفالة زائدة عن الحد". يرفضون نفخ "الكاندوم" بالونات لكنهم لا يتورعون عن استخدام القاموس الجنسي وخطاب الجنس في النيل من خصميهما. الدولة تخاصم فيديو ساخراً.

أتباع النظام ومحبوه يقدمون مئات البلاغات ضد الشابين. تفيد انباء أنه تم القبض على شادي، ثم تلتها أخبار تنفيها. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يثبت أنه تم القبض فعليا على شادي أبو زيد كما أكد بعض زملاء شادي.

لكن موجات ردود الأفعال أكبر من ذلك. الجدال عن مفهوم الحرية ومعناها وجدواها وقيمتها وما إلى ذلك من جدالات مكرورة وسخيفة تماما. الجدل الحقيقي كان مع رافضي الفيديو من قبيل أنه "سخرية طبقية" من مجندين ربما لا يعرفون ما هو الواقي الذكري.. والتلاعب بجهل المساكين الواقفين في عز البرد رغما عنهم. فالسخرية هنا لم تصب هدفها. لترد أصوات من الطرف الآخر على هذه الحجة بأن هؤلاء المجندين هم من تبولوا على المتظاهرين من أعلى بنايات وسط البلد، وهم من يحملون البنادق والعصي ويقتلون المتظاهرين ويصيبون أعينهم. حامل السلاح لا يختلف عن صاحب الأمر، بل هو شريك فاعل في الجريمة.

أشرف زكي نقيب الممثلين، يصرح بأن أحمد مالك سيعتذر عن الفيديو "المهين". الداخلية ترفض الاعتذار، ليعود ثانية ويؤكد أن مالك موقوف، ولا نية للتراجع عن توقيفه. أحمد مالك ما زال طالباً جامعياً، فهو لا يحمل كارنيه النقابة، لأنه يعمل بتصاريح عمل. التصاريح التي حارب زكي وعصابته لأن تكون المنفذ الشرعي الوحيد للعمل الفني في مصر، أي التحكم في سوق الممثلين، وأن يكون كل شيء تحت أعينها.

مالك نفسه يعتذر على حسابه الشخصي في "فايسبوك"، اعتذاراً مؤلماً ودالاً، يتحدث فيه عن حداثة سنه وتهوره، ثم عن إحباطه النابع من عدم القدرة على التعبير عن الرأي. هو واحد من جيل جديد أصغر ممن تحركوا في الشوارع 2011، تشكل وعيهم وتفتحت عقولهم على الفعل الثوري.

***

الصحف والمواقع المصرية تقوم بدورها "الدنيء" في تخليق عداوة القراء تجاه الشابين. "اليوم السابع" تجري استفتاء "هل إهانة مالك وشادي لجنود الجيش يكفي معها 1-الاعتذار 2-العقاب القانوني 3-التجنيد في الجيش".. "الوطن" تنشر تدوينات قديمة لشادي يؤيد فيه حق المثليين.
أهل الثورة، يختمون شادي بختم الثورية. جواز المرور من التجاوز. ينشرون صور إصاباته في الثمانية عشر يوما وأحداث محمد محمود ومجلس الوزراء، ويتحدثون عن مشروع تخرجه بفيلم عن الثورة. حامل أختام الثورية لا يمكن أن يكون متجاوزا، أو أن التجاوز –إن صح- أمر مقبول لما لاقاه.

فريق عمل "أبله فاهيتا" يصدر بيانا يتبرأ فيه من شادي وفعلته، لأنه ينافي الأخلاق، رغم أن فكرة "أبلة فاهيتا" نفسها هي ضد الأخلاق العامة، وتعمل على اللعب على المجازات الجنسية والتلميحات الواضحة. المفارقة هنا مؤلمة، والخوف على البيزنس والبث يضع المبدأ تحت أقدام الأموال، التي هي بالضرورة مع الدولة. التعليقات على البيان عنيفة، تهاجم فريق عمل البرنامج، لأنهم يفهمون جيدا ما وراء البيان، وما انهار به أيضا. موت إكلينيكي لأبلة فاهيتا، ونهائي هذه المرة.

***

المشهد في مجمله سوريالي وبائس تماما، فالفيديو ليس تمثيلا ولا سخرية طبقية من مجندي الأمن، بل هو محاكاة لعصاب. ضحكة قاسية في وجه الدولة، ربما لن يعرف كثيرون أصلا أن هذه البالونات هي في الأساس واقيات ذكرية لولا توثيقه لذلك. يستخدم أداة "العزل" لتفكيك عناصر دولة مأزومة بأحلام سيادتها. الجنس كدلالة رمزية على الحدث الآني.

أما "الحرية" فهي الكلمة الأكثر استخداما والأقل حضورا في كل السجالات. الحرية الذريعة لقبول فيديو من موقع "دوت مصر" يسخر من مواطنين "عاديين" في احتفالهم بذكرى الثورة إلى جانب الداخلية، وهي ذاتها الذريعة لعدم قبول سخرية شادي ومالك.

لم يعد مستغربا في دولة تحبس الشباب بـ"نية التظاهر" أن تقتاد شادي ومالك إلى الحبس. الأكثر بؤساً وإيلاما هو هذه الأصوات المخادعة التي تتدعي التعقل، ولا ترى ما هو أبعد وأكثر أهمية من فيديو "تنفيسي" في ذكرى الثورة مكتومة الصوت.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها