آخر تحديث:19:22(بيروت)
الخميس 16/07/2015
share

الحذف من المسلسلات: نقمع الجسد المتجرّئ.. ولو من "انتاجنا"

وليد بركسية | الخميس 16/07/2015
شارك المقال :
الحذف من المسلسلات: نقمع الجسد المتجرّئ.. ولو من "انتاجنا" المشاهد لا تتضمن ابتذالاً.. وهي أقل ايحاءات من مسلسلات تركية تعرض على الشاشة نفسها
يقترب "محمود" (عبد المنعم عمايري) من "وردة" (كاريس بشار) كي يقبّلها في أحد أجمل مشاهد مسلسل "غداً نلتقي"، ثم تنتقل الكاميرا الى قدمي "وردة"، فتظهرهما تتحركان بانفعال بالتزامن مع القبلة الأولى في حياتها. لكن متابعي العمل على قناتي أبوظبي "الإمارات" و"دراما" لم يشاهدوا كل ذلك بسبب حذف القناتين لأكثر من عشر دقائق كاملة من الحلقة.

المشهد المحذوف ليس ترفاً أو عبثياً، بل هو جوهري في العمل ككل، لأنه يعكس التجارب الجديدة التي يعيشها اللاجئون السوريون مع انهيار المجتمع التقليدي وحياتهم وفق الحرية الشخصية للمرة الأولى. فاللقطات التالية التي حذفت أيضاً تناقش مسألة الحب والجنس والعذرية وحرية الجسد كأولى أسس الحرية كمفهوم مطلق، وعليه كان الحذف الممنهج من قبل "أبوظبي" هادماً ومسيئاٌ لعمل فني رفيع المستوى.

ما يثير السخرية في تشويه "غداً نلتقي" من قبل مقصّ الرقيب الإماراتي "عتيق الطراز"، هو أن شبكة قنوات "أبوظبي" هي المُنتج للمسلسل بالتعاون مع شركة "كلاكيت" السورية، ليبدو الأمر في المجمل أشبه بنوع من الرقابة الذاتية أو جَلد الذات العلني من منطلق "الطهارة البصرية" الداخلية أمام الجمهور.

ربما ترى "أبوظبي" في اللقطات التي تحذفها خدشاً للحياء العام أو تنافياً مع الأخلاق الرمضانية "الحميدة"، وبالتالي يأتي الحذف من منطلق الوصاية الدينية على المجتمع. لكن ذلك لا يشكل مبرراً لحذف الشبكة نفسها مقاطع الإغواء الجسدي التي أدتها النجمة سلاف فواخرجي في مسلسل "حارة المشرقة"، والذي عرضته "أبوظبي دراما" بشكل حصري قبل الموسم الرمضاني، أو حذفها مشاهد من المسلسل الكوميدي "دنيا 2" البعيد تماماً عن الإثارة الجسدية والطرح المثير للجدل!

والى جانب محطات عربية، ربما تتذرع بشهر رمضان لتقص مشاهد تنظر اليها على أنها تتضمن ايحاءات جنسية، فقد حذفت قناة "سوريا دراما" مشهداً من مسلسل "دنيا 2" بلا مبرر، بحسب ما أعلن الفنان أيمن رضا في صفحته في "فايسبوك".

المشاهد المعرضة للحذف ليست بتلك الجرأة التي يتخيلها الإنسان عن سماع كلمة "حذف"، بل تدور عموماً حول المحظورات الجسدية بذكاء بصري من دون مباشرة فجة أو طرح رخيص، وبالتالي يبدو الحظر الممارس من قبل القنوات فكرياً بالدرجة الأولى. بمعنى آخر، لا يحقّ للعرب كأفراد ممارسة حرية التفكير والتصرف إلا ضمن حدود الأخلاق والدين والمجتمع المحافظ، أو في الخفاء عبر الطرق الملتوية، تلك هي الرسالة الوحيدة التي  يمكن استشفافها من سياسة الشبكات التلفزيونية الكبرى التي تحذف اللقطات على قنواتها المفتوحة وتبثها بشكل كامل دون تقطيع على قنواتها المشفرة مثل (MBC دراما).

في السياق، تعج الشاشات العربية بمواد أكثر جرأة من النواحي الجنسية والجسدية والدينية، كالأفلام الأجنبية والمسلسلات التركية التي تعرضها "أبوظبي" بشكل طبيعي على سبيل المثال، وبالتالي يظهر الحذف موجهاً ضد المنتج العربي الذي يحاول بطريقة ما كسر القيود المحافظة فكرياً، وهو نوع من العنصرية الداخلية والعداء للذات والانغلاق.

من ناحية المقارنة مع أعمال عربية أخرى، نرى القنوات المختلفة تعرض كمية كبيرة من الأعمال الدرامية المبنية على عناصر الجنس والكحول والإثارة. فأعمال مثل "صرخة روح" و"عناية مشددة" على سبيل المثال لا تتعرض للقص مطلقاً، ومن هنا يأتي التمييز والمزاجية في العمل الرقابي، ورغم الاعتراض على سياسة الحذف ضد أي منتج إعلامي تبقى المقارنة مشروعة بين ما يحذف وما يسمح بعرضه من دون قيود.

جدوى الحذف لا تبدو واضحة في عصر الإنترنت المفتوح أمام الجميع، حيث يمكن للمشاهد بكل بساطة متابعة كل ما يريده من دون أن تتحكم به عقلية القنوات العارضة المؤمنة بحقها في احتكار حق المشاهد في الاختيار. فالشركات المنتجة منذ العام الماضي بدأت ببث حلقات مسلسلاتها بشكل يومي على "يوتيوب". وما تحذفه قناة ما، يمكن متابعته بشكل طبيعي على قنوات أخرى.. وها هي LBC لم تحذف لقطات من "غداً نلتقي".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها