آخر تحديث:19:03(بيروت)
السبت 14/11/2015
share

الإعلام الفرنسي بعد الهجمات: المهنة بلا رقص فوق الجثث

صهيب أيوب | السبت 14/11/2015
شارك المقال :
الإعلام الفرنسي بعد الهجمات: المهنة بلا رقص فوق الجثث الخبر بطيئ لكنه موزون ودقيق
فيما انشغل اللبنانيون بانتقاد وسائل اعلامهم المحلية في تغطية تفجيري الضاحية الجنوبية، سارعت المحطات والمواقع الفرنسية الى خدمة مواطنيها حول الهجمات الارهابية في باريس بحذر ومهنية شديدين، وبكثير من الانسانية.

فمع بدء انتشار الاخبار حول سقوط قتلى، نشر مواطنون تواجدوا قرب مواقع الهجمات عبر حساباتهم الشخصية في "تويتر" صوراً لأجساد منثورة من بعيد، عمد مواطنون الى رمي شراشف عليها كي لا تفتضح هوية اشخاصها، ونشر هؤلاء مقاطع فيديو لتوزع عناصر من القوى الامنية والفرق المختصة في مواقع التفجير.

وبقيت وسائل الاعلام بعيدة عن اماكن وقوع التفجيرات مكتفية باتصالات مع مسؤولين أمنيين من الاستديو او في اتصالات مباشرة مع مراسلين أجروا مقابلات بدقة تامة مع فرق متخصصة تجري مسحاً ميدانياً او مع بعض شهود عيان، لكن بأسئلة حرصت على أن تكون أولويتها المعلومة، لا "بهرجتها"، على شاكلة ما يجري مع مراسلينا اللاهثين وراء خدمة "البروباغندا" و"الإثارة" الخطاب السائد.

فلم تحفل القنوات في نقلها المباشر بأي خطاب "فئوي" او استخدام نبرة "عنصرية"، كما توقع البعض، لا سيما وأن الترجيحات كانت في تصويب الإتهامات مباشرة على الاسلاميين الجهاديين، وما يلحق هذه الاتهامات من "تعميم" حول مسلمي فرنسا واللاجئين وغيرهم. وهذا ما لم يحصل.

عملت قناة "بي أف أم" كأول قناة ميدانية، على رصد الضحايا باتصالات رسمية من دون تشتيت المواطن الموجود في بيته، لمتابعة ما يجري. شكلت القناة خلية صحافيين في مكاتبها، لما يتناسب مع حالة الهلع والخوف. فتركز العمل على الاتصال مع مراكز الاسعاف والشرطة ومسؤولين حكوميين ولوجستيين، بما يؤمن خريطة كاملة لمعرفة ما يجري، ويحفظ أيضاً أرواح كثر كانوا مفقودين او لا يزال أهلهم واحبتهم لا يعرفون شيئاً عنهم.

ورغم فجاعة الحدث، لم تعمد اي وسيلة اعلامية، وعلى رأسها الصحف مثل "لوموند" و"لافيغارو" و"ليبراسيون" و"لو بوان"، إلى ارسال أي تنبيه خبري (notification) عبر تطبيقات الهواتف الذكية من قبيل ما يتم ارساله في وسائل الاعلام اللبنانية. دققت تلك الوسائل في كل خبر ترسله، ولو كانت الاخبار ترسل بوتيرة بطئية، لكن عامل الوقت لا يهم في حسابات "كارثة" مشابهة، كما وصفها مواطنون فرنسيون، فالأهم المعلومة الصحيحة وسلامة المواطن.

ويدخل ذلك حتماً في ذهنية القناة، وممارسة المراسل والصحافي، وفي رقابة ذاتية يمارسها هؤلاء على أنفسهم، رقابة الأصول المهنية. فلا هم يطلبون شهرة ولا يريدون أن يكونوا ابطالاً صحافيين على حساب القتلى والضحايا والجرحى.

يتم التعاطي مع الموقف بذكاء، ومهنية لا تنقصها الخبرة في ايصال المعلومة بأقل كلفة نفسية على المشاهد. فالخبر ليس هنا لرفع أعداد المشاهدين، بقدر ما هو مسؤولية مساوية لمسؤولية قوى الأمن والفرق الطبية والحكومة نفسها في كيفية تطمين المواطن والمساعدة في التخفيف من وطأة الألم ووقع الدم. وهذا ما يردده هؤلاء في عملهم اليومي، خصوصاً في ظروف مشابهة.

وإضافة الى الصحف، عملت القنوات الفرنسية "الأولى" و"الثانية"، في نقلها المباشر، وفي برامجها الصباحية، على استضافة محللين وصحافيين ورؤساء مراكز شرطة ومتخصصين امنيين وطبيين. وبلغة متوازنة، حرص المذيعون على استكمال عملهم الصحافي البعيد من تبجيل او تسخيف الضحية. فلم نشاهد صوراً للجثث إلا تلك الموضوعة بعناية داخل اكياس مخصّصة، وبلقطات بعيدة لا يتجرأ فيها اي صحافي على اقحام عدسته في عيون القتلى او بالذهاب الى اهالي الضحايا لتوثيق انكسارهم وكارثتهم. فاحترام الفرد أولوية في العمل الميداني.

ولم تدخل وسائل الاعلام الفرنسية نفسها في حرب تخويف وإقحام لالتقاط فجاعة الحدث. اكتفت بتفصيله لحظة بلحظة من دون تعريض جثث القتلى والضحايا وأهلهم بالطبع الى اي موقف مماثل، لما قامت به مثلاً، وسائل اعلام لبنانية مع الطفل حيدر في المستشفى، وقبلها مع تصوير جثث واشلاء بشرية، نقلتها قنوات البث المباشر من ساحة تفجير برج البراجنة على اعتبار انها تجعل الكارثة "حقيقية".. في حين أنها حقيقية ودامية كما هي، ولا تحتاج مزيداً من الألم والانتهاك! 

لم نشاهد طيلة ليل أمس الى اليوم، اي عائلة فرنسية فقدت شخصاً عزيزاً من ضمن الضحايا الـ120. لم تذهب إليهم الكاميرات ولا الصحافيون/الصحافيات المبتدئون/المبتدئات.

الفرنسيون الخائفون في بيوتهم، لم تصور لهم الشاشات بعشوائية، "جحيم" الدم والنار، ولم تتطفل على شهود عيان خرجوا لتوهم من الموت بعدما رأوه بعيونهم والأسلحة موجهة اليهم في إحدى قاعات مسرح "باتاكلان". كانت فرق التحرير تعمل بهدوء وسرعة كافية لتقديم خبر جاد ومهني وفيه من المعلومة ما يكفي. وكل من تم استطلاع رأيه، من الشهود الى الناس العاديين، كان محاولة لا تتعدى السؤال المباشر، الذي لا يشكل اي احراج او تهويل او مراوغة، بل بما يخدم الصورة والصوت كناقلين للمعلومة لا "كمصادر تشويق".

وخرجت الصحف الفرنسية، صباح اليوم بعناوين متشابهة. وصفت فيها ما حصل بدقة لا تتعمد معايير "السبق الصحافي"، ولا "المانشيت" المثير. فبقي توصيف ما جرى بأنه "مذبحة" و"حرب" غير مسبوقتين، موردة في متن تقاريرها معلومات مستقاة من مسؤولين رسميين، وبدقة، مع إستبيان دقيق لما جرى وبالارقام، من دون اي تصريحات عالية اللهجة، ولا تنبؤات او تحليلات تزيد من الهلع.  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها