كانت تصدّقني..

كنان خداجالأحد 2015/09/06
000_Par8254320.jpg
"لم أعد أريد شيئاً غير أن أكون معها، سأترك هذه البلاد" (أ ف ب)
حجم الخط
مشاركة عبر
لم أعرف ما الذي دفع صديق طفولتي هشام للقيام بتلك الرحلة، أكانت رغبته في الوصول إلى الجنة؟ أم رغبته في الإبتعاد قدر الإمكان عن ذلك الجحيم؟

لم أعرف الجواب، ولكنني عرفت أنَّ تلك الرحلة لم تشبه أياً من الرحلات التي قام بها ملايين المهاجرين، بل كانت رحلة تحمل العديد من القصص التي تجعلها مثالاً بسيطاً عن معاناة السوريين.

في اليوم الذي سبق رحلته، أتمّ هشام قصة حبّه الطويلة بزواجٍ يحمل طقساً من السرية، يليق بناشطٍ مثله تعرّض للإعتقال خمس مرات في سوريا. في آخر اعتقالٍ لهشام لم يخرج صلباً كالعادة، كان مكسوراً تمكن منه السجن، أخيراً.

كان هشام يومها يعبّ من السيجارة وهي تنثر رمادها على ملابسه، لم يتوقف لينظف ملابسه بل قال لي: "تعبت يا صاحبي، ألا يحقّ لي أن أتعب؟ أنا بشرٌ. صمدت لأخرج وأرى ابتسامتها، ولكنني قد لا أخرج حياً في المرة المقبلة، لا أخاف الموت لكنني لا أريد أن أتسبب لها بالمزيد من الألم، لم أعد أريد شيئاً غير أن أكون معها، سأترك هذه البلاد".

كنت أسمعه وأنا أحاول ألاً أتذكر دموع زوجته وهي تسألني: "متى سيخرج باعتقادك؟"، وأنا أجيبها: "في الغد بالتأكيد لديّ مصادر مؤكدة". كلّ يومٍ كانت تسألني هذا السؤال، كلّ يومٍ كنت أكذب، وفي كلّ يومٍ كانت تصدّقني، ككلّ السوريين كانت بحاجة إلى بصيصٍ من الأمل لتنسى التراجيديا اليومية التي تعيش.


قرر هشام أخيراً الخروج من سوريا، رغم أنّه كان على أعتاب التخرج من كلية الإقتصاد. خرج بأمل لمّ الشمل لزوجته، وأخذ معه ما تيسر لعائلته الفقيرة أن تجمعه من المال.
وصل إلى لبنان بعد إجراءات الذل على الحدود السورية، في أواخر آب/أغسطس 2014، وكان يردد في ذلك اليوم: "لقد قطعت أوسخ حدودٍ في العالم من دون أن أعتقل، لا حدود في الدنيا ستمنعني الآن". لم يتطلّب منه الكثير من الوقت ليدرك سذاجة كلامه.

وصل هشام برفقة صديقه أحمد إلى إزمير في تركيا، ومنها استقلا أحد قوارب الموت باتجاه جزيرة باتموس في اليونان، حيث حصلوا بعد خمسة أيامٍ على "الخارطية" أي ورقة الطرد من الأراضي اليونانية، وبعدها تابعوا رحلتهم باتجاه أثينا. في عاصمة الإغريق حاول هشام أربع مرّاتٍ صعود طائرة متجهة إلى شمال أوروبا، بجوازات سفرٍ مزورة، لكنه فشل.

وبعدما فقد الأمل في الصعود إلى الطائرة، قرر مع أحمد سلوك طريق البر، عبر دول البلقان إلى أوروبا، استقلوا القطار من أثينا إلى مدينة تسالونيكي في الشمال اليوناني، حيث التقوا بمهرّبٍ بنغلادشي. يعبّ هشام مرةً أخرى من السيجارة، يتساقط الرماد وكعادته منذ خرج من السجن، يكمل بلا أن يهتم: "في تلك الأيام، وفي شتاءٍ كذلك الشتاء، لم يكن عبور مقدونيا بالأمر الوارد من دون مهرّب".

من مدينة تسالونيكي استقلوا سيّارةً إلى مدينة بوليكاسترو، ومن هناك مشوا إلى مدينة أفيزوني على الحدود اليونانية المقدونية، ثمّ أكملوا طريقهم مشياً باتجاه جفجيليا.

في ظروف جوية أقل ما يقال عنها أنها سيئة، مشى هشام ورفاقه قرابة 24 ساعة حتى وصلوا إلى الجبال قرب مدينة جفجيليا في مقدونيا، حيث كان من المفترض أن تقلّهم سيارات إلى الحدود الشمالية مع صربيا. في الغابة انتظروا قدوم السيارات، وفي كلّ يومٍ كان يقول المهرّب: "مساءً ستأتي السيارات، اصبروا لا تضيعوا تعبكم". وفي المساء يقول: "غداً صباحاً ستأتي".

يقول هشام: "لم يكن يملك سبباً ليكذب علينا، فهو في النهاية لن يتقاضى أجره قبل صعودنا إلى السيارات".

على كلٍّ استمرت تلك الكذبة طويلاً، في بادئ الأمر نفذ شحن الموبايلات، ثمّ نفذت المؤن الغذائية، فبدأوا بأكل الأعشاب والتوت البري، وبعدها نفذت المياه. وبعد 22 يوماً من الإقامة في الغابات، قال هشام لرفاقه: "هذا يكفي! لم أغادر بلادي لأموت في غابةٍ مجهولة، فلنخرج قبل أن نموت من الجوع والعطش".

وأخيراً خرجوا. لكن الخارجين إلى الطريق العام من الغابة لم يكونوا بشراً، بل أشباحاً، الجوع والعطش والإرهاق الشديد جعل منهم أشباه بشر، وجعل السيارات التي حاولوا الإستنجاد بها، تسرع بعيداً عند رؤيتهم، باستثناء سيارةٍ واحدة.

أخيراً أحدهم قرر التوقف! سألهم بإنكليزية محطمة: "أين أنتم ذاهبون؟"، ردّ الجميع: "صربيا"، فأشار لهم: "اتبعوني".

مشى هشام ورفاقه بتوجسٍ خلف الشخص الغريب، دخلوا في طرق ترابية داخل الغابة، ومشوا طويلاً إلى أن طُلِب منهم التوقف. هناك حدثت ما يصفها هشام بالمصيبة، فمن دون سابق إنذار اقتحم رجال بلباس الشرطة المكان، قيدوا "الدليل"، ثمّ قيدوا هشام ورفاقه ورموهم على الأرض: "قيدونا جيداً ثم رمونا على الأرض، لم نقاوم ظنّاً أنّهم الشرطة، فتشونا بدقة وأخذوا كلّ شيء، ساعتي ومحفظتي وأموالي التي أخفيتها داخل البنطلون. أخذوا كلّ شيء، كنت اظنّ أنهم يجمعون الأدلة، ولما اكتشفت أنّ كل ما يحدث هو تمثيلية محكمة لسرقتنا، كان الأوان قد فات. لقد استغلوا الوقت الذي كنّا فيه مكبلين على الأرض ليتمكنوا من الإبتعاد، ركضت خلفهم حتى أحسست أنّ قدمي ستحترقان من الجري، لكن لا فائدة.. وعندما عدت، رأيت أحمد يحاول أن يرمي نفسه أمام إحدى السيارات المسرعة، كان يريد الإنتحار! أحمد الذي استدانت عائلته المبلغ كاملاً، كان وقع المصيبة أكبر عليه، سحبته عن الطريق، وتوجهت به نحو قسم الشرطة الحقيقية هذه المرة".

في قسم الشرطة، أُخِذت أقوال هشام ورفاقه، ثمّ أخذوا هشام في إحدى السيارات وطلبوا منه التعرف على المجرمين.

لم تمشِ السيارة طويلاً قبل أن يصيح هشام: "هذا هو، هذا هو اللص". فالشرطة كانت تعرف أين يتوجب عليها التوجه، وعرفوا من يقوم بالسرقات في تلك المنطقة.

ألقي القبض على اللصوص، وتم إحقاق العدالة.

وبعد يومين جرت المحاكمة، يومها حصلت المفاجأة الكبرى: لقد تمّ الإفراج عن اللصوص بكفالة مادية بسيطة لا تتجاوز خمسة في المئة من المبلغ المسروق، وتمّ إيداع هشام ورفاقه في سجن "غازي بابا" سيء الصيت.

مرّةً أخرى يتساقط رماد السيجارة على ملابس هشام، يعصر صدغيه محاولاً أن يتماسك وهو يروي ما حدث بعدها: "تصحّ المقارنة بين غازي بابا والأمن العسكري السوري، لقد كنّا مسجونين في مهاجع تعاني إزدحاماً شديداً، وكنّا نتعرض للضرب والإهانة بشكلٍ يومي، كانوا يتحرشون بالنساء أمام أزواجهن، ومن ذكر أنّه معارضٌ للنظام جرى التحقيق معه من قبل محققين سوريين".

ما أوقحهم! يجلبون لنا محققين سوريين، ويهددوننا بالترحيل، ثمّ يقولون إننا في سجنٍ لحماية الشهود، صدقني لم نخرج إلاّ لأننا أسقطنا دعوتنا على اللصوص".

بقي هشام خمسين يوماً في سجن غازي بابا، وفي كلّ يومٍ كانت زوجته تتصل بي لتسألني: "متى يخرج؟"، وفي كلّ يومٍ أجيب: "غداً بالتأكيد غداً".

كلّ يومٍ كنت أكذب، وكعادتها في كلّ يومٍ كانت تصدقني.

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث