image
الإثنين 2014/11/17

آخر تحديث: 17:19 (بيروت)

إعلام "القاعدة" يبعث حياً

الإثنين 2014/11/17 وليد بركسية
increase حجم الخط decrease

بات لتنظيم "القاعدة" الجهادي واجهة إعلامية جديدة يخاطب بها العالم، هي مجلته باللغة الانجليزية التي تحمل اسم "انبعاث Resurgence"، وجدد إحياءها أخيراً، في شكل ينافس في مهمته الراديكالية مجلة "دابق" التي يصدرها تنظيم "الدولة الإسلامية".

وتشكل "انبعاث"، بطريقة أو بأخرى، خرقاً جديداً في مجال إعلام "القاعدة" الذي عاش طوال السنوات الماضية في ظل المنتديات والمدونات الأقرب للعمل السري حتى لو اتخذ طابع العلنية في وجوده على الشبكة بشكل متفرقات إعلامية لا يجمعها المكان أو الزمان. وكان يفترض بالجمهور البحث عما يريده داخل تلك المواقع بشكل متوار عن الأنظار أيضاً، لكن "القاعدة" اليوم باتت تتوجه للجمهور بشكل إعلامي أكثر حداثية وعصرية بعيداً من الشكل القبيح الذي اعتادت العمل ضمنه.

تصدر المجلة بشكل فصلي عن مؤسسة السحاب الإعلامية التابعة "للقاعدة"، وجاء عددها الأول لخريف 2014 (الصادر مطلع الشهر الجاري) في 117 صفحة من القطع الكبير، وهي متوفرة للتحميل بصيغة PDF في المنتديات التكفيرية العالمية وعلى رأسها منتدى "شبكة الجهاد العالمي" الذي يمكن وصفه بالواجهة الإعلامية الرسمية للقاعدة ككل، إضافة للمدونات الجهادية الموالية للتنظيم. والمجلة الأنيقة، تحوي عدداً هائلاً من التفاصيل التقنية والفنية المثيرة للاهتمام. فالعناوين الكبيرة والروابط التلقائية نحو المواد والصور التفاعلية واللينكات الخارجية، إضافة لنوعية الصور وجودتها البصرية، والرسوم الغرافيكية التي تكسر حدة المواد التكفيرية والخطاب الإرهابي المخيف ببراعة تظهر معها "القاعدة" بوجه "لطيف" لمن لا يعرف حقيقتها.

افتتاحية المحرر في "انبعاث" تخاطب الغرب من منطلق القوة، مذكرة بأحداث 11 أيلول كبداية للعصر الجديد، يقول المحرر: "ربما نسي العالم الغربي أن هذه الحقبة ليست حقبة سقوط الخلافة. هذا ليس القرن الذي قسمت فيه الأمة إلى دول قومية هشة تتحكم بها الإمبريالية، وهذا ليس عصر القومية العربية أو الشمولية أو العلمانية الليبرالية، هذا عصر الأمل بالأمة وحقبة إحياء الخلافة وتحرير الأقصى".. افتتاحية توحي بما سيأتي لاحقاً.

وتبتعد "انبعاث" عن تقديم صورة "القاعدة" النمطية كخطر إرهابي دولي، وتبتعد عن رسم صورة "المجاهدين" كمقاتلين أشداء ملثمين ومتشحين بالسواد، بل تتجه نحو رسم صورة براقة إنسانية مشرقة لها ولأعضائها على مستويين: الأول يصور "الإمارات الإسلامية المنتظرة" التي تنوي القاعدة تأسيسها حول العالم في ظل دولتها "السمحة" التي تنادي بها. والثاني يركز على المقاتلين بصورة إنسانية فردية غير معتادة في الفكر الجهادي الأكثر شمولية. وتمتلئ "انبعاث" بعدة قصص تروي برومانسية وإتقان التجارب الفردية لبعض المقاتلين ورحلتهم من الضلال نحو الإيمان والهداية ثم الجهاد (The story of a tranquil soul).

تلجأ المجلة للأساليب غير المباشرة عند الدعوة للجهاد أو تجييش الشباب لصالحها كما هو المعتاد، عبر أسلوب الترغيب دون الترهيب. ويبرز ذلك في قصص المقاتلين الفردية ومواد الرأي التي تميل للعقلانية بعيداً عن الانفعال الديني (The Land of Prophets awaits you)، كما تحاول المجلة إظهار الوجه القبيح للغرب في معاملته للمسلمين لتظهر بعدها بصورة البطلة الوحيدة المدافعة عن الكرامة الإسلامية في ظل دول قومية هشة لا تبالي بمواطنيها المسلمين حصراً (The Future of Muslims in India).

أساليب المجلة المستحدثة خطيرة في كونها قادرة بشدة على الإقناع وتحديداً في حالة الفئات العمرية الأصغر سناً وشرائح المراهقين والشباب. ويبدو أن المجلة تتوجه إلى تلك الشريحة العمرية كجمهور أول، حيث يظهر ذلك في الطبيعة البصرية للمجلة والرسوم الساخرة التي تضمنها العدد الأول (Uncle Tom Meets Uncle Sam). رسوم تظهر للمرة الأولى في الإعلام الجهادي، وإن كانت لا تختلف في طبيعتها التحقيرية الاستهزائية عما تقدمه "القاعدة" عموماً عندما تلجأ للسخرية في إعلامها الإلكتروني (سوى بالجودة طبعاً).

كما هو متوقع، تفرد المجلة مساحة كبيرة منها للتباهي بأعمالها البطولية التي حققتها حول العالم منذ أحداث 11 أيلول وحتى اليوم، لكن الجديد هذه المرة هو الابتعاد عن الأسلوب التهويلي ونسب الأمور للقدرة الإلهية كما هو معتاد. بل تلجأ المجلة للأرقام والإحصائيات والخرائط والصور التوضيحية لتقديم مادة علمية متوازنة. وتضخ المجلة بلا توقف، أرقاماً ومعلومات كثيرة من دون الاستناد إلى مصادر طبعاً، فهي بروباغاندا مكتوبة بأسلوب علمي لا أكثر ولا أقل وتحتاج متخصصين لتفنيدها.

فلسطين وتحرير الأقصى، هي محاور أساسية تدور حولها مواد المجلة، لكن "انبعاث" تحاول تقديم "خطوات عملية" لتحقيق تلك الأهداف، وتتركز على "إنشاء الولايات الإسلامية" وفرض "حصار اقتصادي" حول إسرائيل قبل "المعركة الكبرى" المنتظرة لتحرير الأقصى.

بمقارنة بسيطة مع العدد الأخير من "دابق" - المجلة الانجلزية التابعة لـ"الدولة الإسلامية"، يتضح أن الأخيرة رسمت صورة مخيفة للتنظيم، وقدمت تقارير مفصلة عن ولايات "الدولة الإسلامية" وأخبارها، وتباهت بأخبار العبودية التي أعادت "داعش" إحياءها في إطار تباهيها المفرط بالقوة. هذه الخصائص كلها تغيب عن "انبعاث" التي تحاول التمييز بين "داعش" و"القاعدة" على ما يبدو، تمييز غير مباشر لا بد منه بين القوى المتصارعة على شرعية السلطة، علماً أن "انبعاث" لا تتطرق لوجود "داعش" في صفحاتها على الإطلاق.

الخصائص السابقة ربما لم تكن لتظهر في إعلام "القاعدة" لولا إعلام "الدولة الإسلامية" الذي قلب موازين المعادلة الجهادية في المنطقة. تنظيم "الدولة بات العدو الأول للقاعدة باعتباره "الابن الضال" الذي تفوق على الأب. فنجاح التنظيم في إقامة خلافته بين سوريا والعراق ثم نوعية إعلامه المتطورة، جعلا من "القاعدة" وفروعها المختلفة، بما فيها "جبهة النصرة"، تحدث نقلات نوعية في إعلامها، وتأتي "انبعاث" اليوم في هذا الإطار التجديدي العام. وعليه، يمكن القول أن إعلام القاعدة "بعث حياً" من جديد.

 

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها