آخر تحديث:07:15(بيروت)
الثلاثاء 07/01/2014
share

بتوَنّس بيك

فاطمة بزي | الثلاثاء 07/01/2014
شارك المقال :
بتوَنّس بيك
أسميه الحنون. يؤنسني بوجوده. معطاء هو غير ذي طمع. ترن ضحكتي كلما التقينا. فهو يرمم قلبي بكلماته. أغوص بين موجاته كيفما أردت. أحلق معه ارتفاعا فننعزل في بالونة صوَرِية. نهبط تدريجياً فيهمس برقة في أذني فتتباطئ الأحداث حولنا. وإن أردت أخذ قيلولة يحرص على هدوء المكان وظلمته الحميمة.

أشغل جزءاً من طيف موجات كهرومغناطيسية بطول موجي أعلى من تحت الحمراء.
أسميه الأنيس.
صديقي الراديو.

صديقي الذي يدخلني إلى عالم "المحرم".. إلى عالم الموسيقى.

ما أحلاك يا ماركوني! كم أُسعد بكونك الأب الحصري للمذياع. وأنت يا إدوين أرمسترونغ، سلامي إليك أيها العزيز، شكراً لاختراعك موجات "الأف أم" ليصلنا الصوت أوضح.
وأنا أختلي بالراديو، وأنسى العالم حولي، أنسى أحياناً الأغنية وأروح أخترع إجابات وهمية عن غاية ماركوني وأرمسترونغ من تقديمهما لنا هذا الإختراع.

أقول لنفسي لابد أنهما فكرا بشخص غارق في زحمة سير لا تنتهي، لا نديم له إلا ذلك الجهاز الحنون.. أو أنهما فكرا بالكهل الذي يفتح دكانه عند الفجر بإنتظار الرزق‫.‬ قد يأتي مع ربة منزل تهرع لتشتري من دكانه خبزاً طازجاً لتعد زوادة أولادها إلى المدرسة.. ربة منزل ستصبحه وستبتسم لأنيسه الذي يخرج منه صوت فيروز.
لابد أن الرجلين فكرا بالكهل، لكني أعود وأقول لنفسي إن الراديو إختراع لكائن ليلي. بل ربما هو بنفسه كائن ليلي.. لا ينام ولا يكشف عن أجمل ما فيه إلا ما بعد منتصف الليل.

أم كلثوم وأحياناً مروان خوري ونانسي عجرم يتجولون من موجة إلى أخرى. يحملهم الراديو إلي ويخففون من ثقل أرق لا يرحم الوسن.
هناك، تزخ عليّ ذكريات، مواقف، كلمات، قهقهات، تراتيل الغزل، مواويل البكائين، وأستعيد صور من أشتاق وعلى من أعتب وعلى من أبغض.
في الليلة التي لا يفهمني فيها الراديو، ولا يشعر بحاجتي إلى حنانه، أحتفظ بشوقي له لأمسية تالية. لا أفكر بخيانة عصرية له. أتجاهل تماماً التكنولوجيا ومواقع التواصل والتقنيات والأقراص المدمجة التي يمكن أن تهديني أي أغنية أريد في أي لحظة. أحب إخلاصي للراديو وأحب إخلاصه لي.

أحب أن أجرب حظي بين موجاته.. تبدأ اللعبة كلما بدأت موسيقى أغنية. أحاول سريعاً أن أتذكر اسمها أو اسم مغنيها/ مغنيتها.
أتذكرها وأدندن معها. وتتحقق فرحة ما، عندما أستمع إلى أغنية عمرها أكثر من عشر سنوات، في زمن يولد في اليوم الواحد عشر أغنيات.

في اليوم التالي، أكتشف أني غفوت وأنا أغني. وأكتشف أني أخترع لهذا الجهاز قصصاً خيالية مسلية، وأنا أدرك أن أحد ما يجلس في مقر بثه ويختار كل تلك الأغنيات. لكن هذا لا يخفف من شعوري الرومانسي إتجاهه، بل يدخل هذا الأمر الراديو في تفاصيل حياتي اليومية. كأن أدندن صباحاً لحناً ما، لآتي مساء ويفاجئني الراديو ببث الأغنية واللحن عينه عليه. أقرأها كإشارة. أتفاءل بها.
لأنه لطالما شغل تفكيري مهنة مهندس الصوت في الإذاعات، وسهره مع الساهرين.. وكأنهم يتواصلون مع مستمعين مجهولين في مكان ما، في بقعة ما، في غرفة ما.. أمام الراديو.



شارك المقال :