آخر تحديث:08:25(بيروت)
الخميس 27/06/2013
share

"سبايس تون" العنف والذكورية

وليد بركسية | الخميس 27/06/2013
شارك المقال :
"سبايس تون" العنف والذكورية
 غيرت قناة الرسوم المتحركة المخصصة للأطفال "سبايس تون" شريطها التفاعلي الأصفر الذي رافقها طوال 13 عاماً بلون أحمر مثير للأعصاب، واستبدلت فواصلها الشهيرة بمقاطع وأغان وفقرات بصرية جديدة. تغيير شكلي شامل لم يرافقه تطوير مماثل في المضمون الذي بقي على حاله بمشاكله كافة. 

تتلخص مشاكل "سبايس تون" بعوامل أساسية ثلاثة: المضمون المؤدلج، مستويات العنف، والإعلانات. تتضافر تلك المشاكل لتحول "سبايس تون" من قناة شباب المستقبل، بحسب شعار المحطة، إلى مدمّرة شباب المستقبل إن صح التعبير.
 
على الصعيد الأول، تجري "سبايس تون" عمليات مونتاج ودوبلاج متعددة لأفلام الكارتون التي تقدمها، مشوهةً مضمون القصص الأصلية التي يتم استيرادها أساساً من اليابان أو غيرها، تاركة الطفل الذي يتابعها أمام عالم يتناقض فيه الصوت مع الصورة. ويبرز ذلك على سبيل المثال في مسلسلات كالمحقق كونان أو بي بليد. ففي هذا الأخير ارتباط روحي بين اللاعبين والبلابل التي يتنافسون بها، عبر الميثيولوجيا اليابانية وعلوم الطاقة وبعض مفاهيم التقمص، بشكل يجعل من المسلسل منطقياً وفق قاعدة أن لكل شيء مسبّب، لكن ذلك كله يتبخر في النسخة العربية التي تبدو أقرب إلى عالم البطل الخارق منها إلى أي شيء آخر، فيتم تفسير ما يدور في العمل بالصداقة وحب اللعب أو حتى بالصمت أمام صورة خارقة للعادة.
 
يبرز في الاتجاه ذاته، تعامل "سبايس تون" مع علاقات الحب التي تمر في مسلسلاتها، فلا تكتفي بحذف اللقطات النابضة بالمشاعر في "توم وجيري"، بل إن القطة البيضاء التي يقع "توم" في غرامها لا تظهر تقريباً على شاشة المحطة، في ما يمكن تفسيره بالشاشة الكرتونية الذكورية أو المحافِظة (المتدينة؟) في أقل تقدير. كما تختفي القلوب الحمراء التي تطير فوق رؤوس الشخصيات، وعند ظهورها تقول البطلة للبطل "يا أخي"، كما يحدث في "حيوانات الجوهر" على سبيل المثال. وتدخل القناة تلك الأفكار المشوهة في عقول الأطفال عبر الشريط التفاعلي الذي يكتب من وقت إلى آخر عبارات تفيد بأن الحب حرام في الشريعة الإسلامية التي تدعو القناة إلى الالتزام بها.
 
تحذف "سبايس تون" أيضاً كافة الرموز الدينية "غير الإسلامية"، ويأتي هذا بطريقة فجة جداً ومثيرة للسخرية في الكثير من الأحيان. فنرى مقاطع كاملة تحذف من "توم وجيري" لأنها تحوي رمز الصليب الأحمر على علبة الإسعافات الأولية أو في المشافي، وكذلك الحال في كونان الذي تعتمد القناة تقنيات خاصة لإطالة ثياب الفتيات فيه، أو حذفها في حال استحالة التغطية، ما يترك الأعمال منقوصة ومشوهة بصرياً ومعرفياً، "تحجّب" العقول منذ الصغر وتكرّس مفاهيم "إقصاء الآخر" لدى الأطفال بطريقة مباشرة.
 
وتفضي الملاحظات المذكورة إلى مشكلة العنف غير المبرر على شاشة "سبايس تون". فالعنف الذي يغطي مساحة كبيرة من عروض القناة (برامج كوكب أكشن، وبرامج متفرقة في مغامرات وبقية كواكب القناة) لم يعد مجرد عنف في سياق، بل بات، وفق انعدام المسببات، عنفاً مجرداً ومضاعفاً. خلافات عقيمة بين القط والفأر في "توم وجيري"، أو جرائم عاطفية تؤدي إلى القتل إثر خلاف تافه متمحور حول طعام الغداء، أو صراع دموي لإثبات الرجولة لا أكثر.
 
 تتشرب عقول الأطفال العنف السابق، وتتقبله كأسلوب حياة "ناجح"، خصوصاً أن أسلوب الحوارات المنقوصة لا يشكل بديلاً حقيقياً أو جذاباً، ويتضاعف هذا التأثير السلبي في حالة عزوف الأهل عن مجالسة أولادهم خلال مشاهدتهم للتلفزيون وإجراء حوار حقيقي معهم حول ما يرون.
 
ورفض كل من طالب الرفاعي رئيس قسم المعدين في "سبايس تون"، ونائبة رئيس قسم السيناريو في المحطة سلمى مملوك، إعطاء أي تصريح لـ"المدن" عن سياسة "سبايس تون" في أدلجة الأفكار وتأثيرها على الأطفال، من دون سبب واضح. إلا أن مملوك أشارت إلى "قواعد مشددة جداً" في القناة يلتزم بها المُعِدون وفنّيو المونتاج بخصوص أي "إيحاءات للطفل"، من دون أن تفسر طبيعة تلك الإيحاءات بالضبط.
 
من جهة أخرى، تشكل سياسة "سبايس تون" الإعلانية، الضلع الأخير في مثلث مشكلاتها. فهي تنتهك القواعد الأخلاقية المتعارف عليها دولياً في مجال مدة الإعلانات في الساعة التلفزيونية، كما تبث الإعلانات مباشرة بعد انتهاء شارة الكارتون وقبل بدء عرضه وهي منطقة إعلانية محرمة أخلاقياً. وعند النظر إلى محتوى تلك الإعلانات، نجدها تروج لمنتجات تحمل صور وأسماء شخصيات القناة، خصوصاً الجديدة منها، لجذب الأطفال نحو منتجات ربما لا يحتاجون إليها أساساً.

وإن كان من حق القناة الاستفادة من الإعلانات، إلا أن نوعية أفكارها الإعلانية هي أساس المشكلة. إذ تربط المنتجات المروج لها من مأكولات ومشروبات وألعاب وغيرها، بخيال كارتوني بحت ومضخم، يصور استهلاك المنتج بأنه البوابة السحرية للبطولة المطلقة على غرار الشخصيات الكارتونية، ويترك خيبة أمل عميقة عند الحصول عليه. 
 
لا تشكل "سبايس تون" حالة استثنائية في القنوات العربية الموجهة للأطفال. لكنها، ربما، النموذج الصارخ بينها، خصوصاً أنها تحظى بنسب مشاهدة مرتفعة، وتماثلها في السياسة بدرجات متفاوتة كل من "إم بي سي 3" و"أجيال" الرسمية السعودية، فيما بدأت قناتا "كارتون نيتوورك" العربية، و"نون"، بالخروج عن ذلك السياق المتشدد ببث برامج أكثر انفتاحاً من دون خداع الأطفال وامتهان ذكائهم بلا مبرر.
 

شارك المقال :