حجم الخط
مشاركة عبر
المدينة شبه مدمرة، الجنود أنهكهم القتال واللاجدوى، ولم يعد هناك غير الحوار الذي يأخذ طابع عِتاب أبناء البلد هذه المرة.
لم يكن إيرانياً، العقيد مصطفى شدود الذي يحارب إلى جانب النظام. ولم يكن أنداده، في الجهة الأخرى، أفغان، ما جعل الهوية السورية المشتركة هي مفتاح الأمان الذي سار به شدود إلى الجبهة الأخرى، خارجاً من متاريس الإدارة العامة للدفاع الجوي في بلدة المليحة، في اتجاه عناصر الجيش الحر، بعد معركة عنيفة وطويلة استنفد فيها الطرفان قواهما.
المقطع الذي تمت مشاركته على صفحات التواصل الاجتماعي بكثرة ومن أطياف سياسية ومذهبية متنوعة، يظهر العقيد مصطفى شدود وهو يعطي الأمان لجنود الجيش الحر الذين يصورون المقطع ويحاورونه ويطلبون منه التقدّم في اتجاههم، بعدما رفض تحديد هويته المناطقية قائلاً: "أنا من سوريا، أنا من بلدنا، نحنا ما راح نقتل حدا، نحنا معكن، إنتو أهلنا وأخواتنا". يأخذ الأمان من الجيش الحرن فيضع بارودته أرضاً، وبعد حوار من بُعد، يأخذ صيغة العتب على الدمار من جانب الجيش الحر، يطلب من عناصره التراجع ليتقدم أعزل، فيستقبله المقاتلون ويدور حوار هدفه التعارف وتقريب وجهات النظر بين المتحاربين. وينتهي الفيديو القصير عند قول شدود لعناصر الجيش الحر، في كادر يرينا الجبهتين بلا سواتر ولا يفصل بينهما سوى وقف إطلاق النار" "الجهّال قضوا علينا، قليلين أصل، وزراء تافهين".
انتشر الفيديو في صفحات التواصل الاجتماعي، كالنار في الهشيم، وكحالة فريدة منذ بدء الثورة السورية. لم يكن الإعجاب بالفيديو أو مشاركته حكراً على أبناء توجه واحد، بل بدت التوجهات واحدة، في حين لم يُعرِّف بالحادثة أي شيء سوى الفيديو ذاته الذي اتفق فيه السوريون على جمال التعامل وفق مبدأ الهوية السورية التي يشعر الجميع بأنها باتت مهلهلة أمام التجاذبات العصبية الأخرى.
أصالة المشهد تبدأ من المكان المدمّر (المليحة)، من لغة المتحاربين ولهجاتهم المحلية المتنوعة، إضافة إلى طريقة التصوير البسيطة التي انتهجت الانترنت طريقا إلى السوريين (في "الشتات" الراهن) والعالم، دون المحطات التلفزيونية التي تفرض على المتلقي موقفاً قبل أن يرى المشهد مُقحِمةً أجنداتها قبل العرض وبعده، بل خلاله أحياناً.
بعد إدراك السوريين لضريبة النزاع المسلح، وأفول الحل السياسي تدريجياً، وبعدما طال الأمد وأصبح لكل شخص انتقادات على التيار الذي يواليه تفوق الوصف (يعلنها أو يضمرها)، يأتي المشهد بكل طوباويته ليرينا عقيداً في جيش النظام يشتهي كل السوريين أن يكون أمثاله أكثرية في جيشهم، ويرينا مقاتلين في الجيش الحر لو تمتعت باقي الفصائل بأخلاقهم لما سمعنا عن كثرة الانتهاكات والانقسامات. والأهم من ذلك كله أنه لم يكن فيديو إعلان انشقاق لشدود، كما تعودنا خلال السنتين الماضيتين، إنما كان فيديو ليثبت كل طرف أنه وطني لا يريد الدمار لبلده ولم يُخلق من أجل القتل.
ومن أهم ما اتسم به حوار العقيد مع عناصر الجيش الحر، هو أن كلاً منهم حافظ على فكره، ولم "يخن" ما يقاتل لأجله كفرد، سواء عن قناعة او عن اضطرار. فكلام شدود كان واضحاً، عن أن ضابطاً أو وزيراً سيئاً يخرّب على الجميع ويخرّب البلد، ولو نزع هذا الكلام من سياقه لتطابق مع مقولات النظام الممجوجة حول الأخطاء الفردية. لكن لكلام العقيد جانباً آخر، وهو طيبة كلامه وصدقه مع مقاتلي الجيش الحر، إذ يقول لهم: "كتر خيركن إنتو اللي درستوني من مال هالدولة"، فيرد عليه أحد العناصر "له يا عمي"، بعدما طلبوا معرفة من أي منطقة هو، وتنازلوا عن الإلحاح أمام جوابه بأنه "سوري" فحسب. لم يكذب أي من الطرفين، أو يدّعي، وإنما كان البوح واللوم بديلاً من القتل.
لكن طوباوية المشهد سرعان ما بدأت تتكسر. فلم تكد تمر ساعتان على انتشار الفيديو، حتى بدأت قصته تتكشف تدريجياً، مع إصدار "لواء سعد بن عبادة الخزرجي" بياناً للرد على اتهامات كتائب أخرى بأن عناصر اللواء هذا وقّعوا هدنة مع النظام، وينفي أن ما جاء في الفيديو هو إعلان هدنة، ويوضح أنه دعوة إلى الانشقاق، بينما نشرت الموسوعة السورية العسكرية، وصفحات مؤيدة، صوراً للعقيد شدود تنعيه بصفته شهيد الجيش العربي السوري.

وبعد ساعات قليلة بدأت المواقع الإلكترونية والتصريحات تتوالى حول قصة مصرع مصطفى شدود، فجاء في تصريح معتز زبيدي، نائب قائد "لواء سعد بن عبادة الخزرجي" إن "العقيد شدود نسّق لعمليات انشقاق واسعة وكان يدبر مع 15 عنصراً لعملية كبيرة داخل الإدارة العامة للدفاع الجوي، وحين اكتشفهم النظام صفّاهم جميعاً". بينما تتابع نعي القنوات النظامية للعقيد على أنه استشهد في دفاعه عن الإدارة العامة للدفاع الجوي.
ومع نهاية النهار عاد الاصطفاف السوري إلى ما كان عليه قبل ظهور الفيديو. فبعدما اعتُبر شدود رمزاً وطنياً سورياً، بات شهيد المعارضة أو شهيد النظام، إذ تدخلت التصريحات في قصته، معمّقةً الانقسامات في الشارع السوري.
ولعل أكثر ما أنصف شدود هو صورته مع صورة يوسف الجادر (أبو الفرات)، والتي انتشرت مُبرزة فقدان رمزين عسكريين وطنيين خسرهما جيش سوريا المستقبل.


