حجم الخط
مشاركة عبر
فيما كانت كوادر "أراب آيدول" منهمكة في تجهيز كاميرات التصوير وضبط إضاءة المسرح بما يتوافق مع لون فستان نانسي عجرم ومجوهرات أحلام، كان يوسف سالم يفتتح، بثلاث دقائق مصورة على "يوتيوب"، مسرحه الموسيقي الصغير، بمزاج واستقلالية لا ينفصلان عن ألم الواقع في سوريا.
في مقطع الفيديو الذي انتشر على صفحات "فايسبوك" حيث يظهر الشاب العشريني يوسف سالم منفرداً مع آلته الموسيقية، نبدو وكأننا نستمع إلى كل الأوجاع الإنسانية خلفه، حيث يجعل الشاب من موسيقاه كائناً خفيف الظل وسط ثقل الركام وألمه.
في هذه الزاوية الخاصة به، حيث حملت البيوت الفارغة وجوهاً غريبة وتكوم بعضها فوق بعض، لا يتسع الوقت لتحضير المسرح والمشاهدين واستثمار المشهد وتسويقه، فكل شيء تغير موقعه. يبدأ يوسف رشقاته الخفيفة على الغيتار، مغمض العينين، كنوع من أنواع الصمت الشبيه بالمُمارس حيال المجازر والمآسي التي تحصل يومياً. يريد الأمل الحاضر والمهيمن في الموسيقى، وما في الإمكان من تطويع النغم لملاءمة الأحداث والتخفيف من رعب المكان.
يوسف سالم لا يبتعد قيد أنملة عن حرب السوريين اليوم. يتكىء على جدار أنهكه الرصاص، ويجلس ضمن نافذة وكأنها العدسة التي يرى منها ما تبقى من ماضيه، بعدما صارت خراباً متصلاً بكل خراب. أما جمهوره، فأسياخ حديد، تنتصب عوضاً عن المشاهدين. أمامهم يجلس بكنزة صفراء وبنطال ملتصقين به كالموت. لا يملك الشاب رفاهية تغيير "اللوك" هنا أو إبراز أناقته.
الفيديو خال من الإعتراضات الهستيرية التي تنتاب لجنة حكام "أراب آيدول"، وهم يستمعون إلى مشترك يشطح خارجاً من اللحن. يوسف سالم، يهرب من ثقافة الاستهلاك هذه، ومن مسرح الفن العربي الترفيهي المتلفز، والذي يغفل النهوض بمرحلة جديدة تؤسس لفن يقارب الواقع ولو بمقدار إنش.
المَشاهد هنا لم تُركّب على أساس نظام زمني خاص، ولا وفقاً لمتتاليات حُدّدت سلفاً، أو إجراءات خاصة بحركة عصا المايسترو. المَشاهد هذه غير معنية بجذب انتباه المُشاهدين والجمهور، من خلال الصورة والحركة والإضاءة والنجوم ولجنة الحكام وكل العناصر التي تصعب على واقع مشروخ. المايسترو الوحيد هنا هو يوسف، إنه حقيقي بما يقدمه ويحدث التوليف بنفسه للوصول إلى تباين إيقاعي له تأثيره الخاص.
بصوته الدافىء الذي يوزعه على أجساد الموتى يبني الحياة في مدينته، يفتح نوافذها وأبوابها الموصدة، من دون الحاجة إلى كل البهرجة الإعلامية للتصويت له. هو، ببساطة، لا يُعرِّف نفسه بمنطق الفوز والخسارة، لأنه ليس بمتسابق. بل يقدم إجابة لسؤال: كيف يكمن أن ترسم الواقع بطريقة مختلفة... أن تحشر بورنوغرافيا العنف في صوت شجن وكاميرا هاتف محمول وغيتار؟
