عندما اطمأنت إلى أن العيون المندفعة في الاتجاهين المتعارضين على الرصيف الضيق قد انشغلت عيونها عن التحديق صوبهما، جذبت وجه الفتى نحوها واختطفت قبلة سريعة من تلك المنطقة ما بين الشفتين والخد الأيسر، لينفصل عنها راضياً، ويقفز إلى الداخل من الباب القريب، بينما تستمر هي في طريقها إلى العربة التالية، منادية كعادتها:"هولز يعطر الفم ويروق الدم وبجنيه واحد بس"!
النداءات السقيمة تتكرر. عشرات الباعة يرددون عبارات مسجوعة في ندائهم على بضائع لا يبدو أن أحداً يفكر في شرائها. لكن إصرار هؤلاء، كإصرار بضائعهم: ثابت لا ينفذ.
إنها نهاية اليوم، والمترو الآن فارغ نسبياً. امرأتان آسيويتان، إحداهما نحيفة ذات وجه متغضن فاتح اللون يحمل بقايا جمال غابر، والثانية ممتلئة ذات وجه ذكوري قاس وبشرة تشي بالشباب، احتلتا وحدهما المقعد العريض الذي يتسع لأربعة أفراد. العجوز منهما تنخرط في مونولوج طويل تتكلم وتتكلم، ولا تبالي بأن جارتها الوحيدة التي تفهم لغتها غابت في نوم عميق. على الأرض أمامهما تصطف أربع حقائب قماشية ضخمة ملونة بورود حمراء وسط فضاء أسود، ممتلئة عن آخرها ببضائع واردة من مصانع مدينة العاشر من رمضان التي تحتلها عمالة آسيوية ويجري تسويق منتجاتها بوصفها واردة الصين.
المراهقة التي يحمل وجهها بقايا نشوة القبلة المسروقة، تلقي بحلواها جذلة على أفخاذ الركاب، مواصلة نداءها الرث الذي ارتفع منها منتشياً.
من محطة التحرير، يصعد ثلاثة شبان ملتحين، تصحبهم رائحة البول التي صارت مميزة للمحطة منذ الإعلان الدستوري الشهير للرئيس. قهقهاتهم تتداخل مع صوت العجوز المنخرطة في حوارها المتوهَّم.
يرتفع صوت أوسط الملتحين سناً: "فضلت ساكت لحد ما الميكروباص طلع وخرجنا برا القاهرة خالص وقلتله اطفى الأغاني ياسطى، ولما عاند قلتله خلاص.. سيب الأغاني واديني فلوسي ونزلني هنا. مكنش قدامه حل إلا إنه يطفي الأغاني ما هو مش هيلاقي حد يركب ويدفع ع الصحراوي". ترتفع القهقهات ويحيّي الملتحيان الآخران زميلهما على ذكائه وفطنته.
يلتحم صوت ضحكاتهم بضحكة عصبية خاطفة للعجوز الآسيوية.. تطلقها وتعاود رواية ما يبدو أنه موقف طريف ما لصاحبتها النائمة. تقطع الكلام فجأة وتلتفت نحو صاحبتها النائمة وتصيح بغضب، ثم تعاود النظر في الفراغ وتستكمل منولوجها الطويل. تنتبه صاحبتها على مس عبوة الحلوى الرخيصة التي ألقتها المراهقة على فخذها، وصاحبتها العجوز تستكمل الحكي ليتغير إيقاع المنولوج صعوداً وهبوطاً على صوت الهمهمات التي تتظاهر ذات الوجه الذكوري النائمة من خلالها بالمتابعة.
يصعد طفل في السادسة أو السابعة من عمره، وفي يده كيس بلاستيكي به بعض عبوات المناديل الورقية. ينخرط مراهقون في آخر العربة في معابثته. يشجعونه على الشقلبة على أرض المترو. يجدها الطفل المتسول فرصة لتناسي مهمته لبعض الوقت، وينخرط في اللعب متدحرجاً على أرض العربة مطلقاً ضحكات عالية يحفها صوت المراهقين المحتفي بالسباب البذيء. يملون لعبتهم ضئيلة الحجم بعد محطتين، فيشيعه أحدهم بركلة قاسية في ظهره، فيصدر الطفل صوتاً حلقياً منفراً بينما يطير جسده بفعل الركلة في الهواء إلى خارج العربة.
ينضم رابع للملتحين الثلاثة. يتخذ الحديث منحى سياسياً. بينما يتحول المونولوج الآسيوي الى ديالوج صاخب بين الاثنتين، في لحظة بدأت فيها العجوز بمهاجمة شيء أو شخص ما، بينما تمترست ذات الوجه الذكوري في حالة دفاع.
المراهقة تلملم حلواها بسخط، ومراهقو آخر العربة يتبارون في السباب، والملتحون يواصلون حديث السياسة. تلتحم الأصوات وتلفظني كما الركلة خارج الباب المفتوح.
