شهدت سوريا احتجاجات شعبية جاءت عقب إعلان وزارة الطاقة رفع أسعار المشتقات النفطية، وذلك للمرة الرابعة خلال ثلاثة أشهر. وتراوحت نسبة ارتفاع الأسعار بين 20 و40 بالمئة، نتيجة الظروف الاستثنائية التي انعكست على تكلفة تأمين المنتجات عالمياً بحسب وصف الوزارة. ولكن كيف وصلت الأمور إلى هذا السيناريو ودفعت المدنيين للنزول إلى الشارع للتظاهر والاحتجاج حتى ساعات الليل المتأخرة. ولتحليل الواقع الحالي، لا بدّ من الوقوف أولاً على واقع قطاع الطاقة في سوريا قبل العام 2011.
تراجع إنتاج النفط السوري
بلغت سوريا ذروة إنتاجها النفطي في العام 1996، بمعدل إنتاج قدره 620 ألف برميل من النفط يومياً، قبل أن يبدأ الإنتاج بالتراجع، ليستقر عند حاجز 380 ألف برميل يومياً في العام 2010. إذاً سوريا كدولة لا تُعد من الدول الغنية بالنفط، حيث كانت تُقدَّر الاحتياطات النفطية في سوريا في العام 2006 بنحو 24 مليار برميل من النفط، لا يزيد الجزء القابل للإنتاج منها على نحو 7 مليارات برميل، وذلك لاعتبارات متعلقة بالتكنولوجيا والجدوى الاقتصادي وخبرة الحفر وإدارة المخزون. وحتى العام 2010، كانت سوريا قد استخرجت نحو 5 مليارات برميل من النفط. أي أن الجزء المتبقي من الاحتياطات النفطية القابل للإنتاج يقدَّر بنحو ملياري برميل من النفط الخام، وذلك في أفضل التقديرات، ما لم تظهر اكتشافات نفطية جديدة.
وعلى مدار أربعة عشر عاماً من الحرب، تعرضت آبار وحقول النفط للدمار والتخريب وسوء الاستخراج، وكانت السيطرة على حقول النفط بمثابة كنزٍ ثمين تسعى إليه مختلف المجموعات المسلحة، والتي كان آخرها ما يُعرف بتنظيم "قوات سوريا الديمقراطية" نتيجة الواردات المالية الضخمة التي يحققها بيع المشتقات النفطية ضمن ما يُعرف باقتصاد الحرب. ولكن مع عودة محافظات الجزيرة السورية، التي تضم معظم حقول النفط والغاز، لسيطرة الحكومة مطلع العام 2026، خرجت تصريحات إشكالية من قبل مسؤولي قطاع الطاقة مفادها أن سوريا سوف تصبحُ دولةً مصدّرة للنفط خلال السنوات القليلة المقبلة. علماً أنها تصريحات غير دقيقة. كما أن رفع سقف التوقعات تترتب عليه نتائج مأساوية على الجميع، لا سيما عندما تصطدم هذه التوقعات بالظروف والواقع الاقتصادي بالغ السوء في سوريا اليوم.
وفي ظل ظروف الإنتاج الحالية، يصل إنتاج سوريا من النفط إلى عتبة 100 ألف برميل يومياً، في حين تبلغ حاجة البلاد نحو 350 ألف برميل يومياً. وهذا يعني أن الإنتاج المحلي الحالي لا يغطي سوى ثلث الاحتياجات فقط. ولذلك بررّت وزارة الطاقة قرار رفع الأسعار بأنه يهدف إلى ضمان استمرار تأمين المشتقات النفطية والحفاظ على توافرها في الأسواق. وهنا يبقى السؤال الأهم، لماذا تبّدلت التصريحات من الحديث عن أن سوريا ماضية نحو التحول إلى دولة مصدرّة للنفط، إلى الإقرار بأن الإنتاج المحلي لا يغطي سوى ثلث الاحتياجات المحلية؟ غياب الشفافية والحقيقة دفعت المواطن إلى النزول للشارع للتظاهر والاحتجاج، لا سيما أن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس بصورة مباشرة وفورية على حياة المدنيين ومعيشتهم.
مسافة بين الحكومة والناس
لا شك أن سوريا، شأنها في ذلك شأن الدول التي تعتمد على استيراد المشتقات النفطية لتغطية احتياجاتها المحلية، قد تأثرت بصورة هائلة نتيجة أزمة مضيق هرمز وانعكاساتها على أسعار الطاقة عالمياً. وهو أمر يفوق قدرة الحكومة السورية على تحمّل تبعات هذا الارتفاع. إلا أن ذلك لا يلغي في المقابل، وجود أسباب موضوعية ومشروعة دفعت المدنيين إلى التظاهر والنزول إلى الشارع، ويمكن تلخيصها في ثلاثة أسباب رئيسية: السبب الأول: النزول إلى الشارع أمر متوقّع كنتيجة لاتساع الهوة بين المدنيين والحكومة. فلا توجد قنوات تواصل مفتوحة ومباشرة بين الحكومة والمواطن، إذ لا يوجد مجلس شعب قوي قادر على نقل مشاكل المدنيين إلى الحكومة ومناقشتها، وطرح القضايا الخدمية والمعيشية التي تمس حياة المواطن، كما لا يوجد أي دور يُذكر للنقابات المهنية، التي يمكن أن تكون ممثلاً حقيقياً للشارع وقناةً لإيصال صوته في مختلف القضايا.
السبب الثاني: رفع التوقعات لدى الشارع من خلال إطلاق جملة من التصريحات التي لا تنسجم مع الواقع، وتبدو بعيدة كل البعد عن الظروف التي تعيشها سوريا اليوم، ولعل أبرزها هو الحديث عن أن سوريا سوف تصبح دولةً مصدّرة للنفط.
السبب الثالث: تحمّل المواطن العبء الأكبر من تبعات ارتفاع أسعار الطاقة، في ظل ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية للمواطن، ويصبح هذا الأمر أكثر إيلاماً لظروف المدنيين المعيشية لأن عملية رفع أسعار الطاقة التي جرت أخيراً، هي الرابعة على التوالي خلال الأشهر الثلاث الماضية.
في سوريا اليوم، ليس من مصلحةِ أحد الدخول في صدامٍ صفري، ستكون محصلته خسارة الجميع في نهاية المطاف. ولذلك ينبغي على الحكومة السورية أن تعمل بأقصى سرعة على استعادة ثقة الشارع، وأن تفعّل قنوات التواصل المباشر بينها وبين المواطنين. فلا ينبغي أن يُترك المواطن أسيراً للشائعات وثقافة "الترند" على وسائل التواصل الاجتماعي، في ظل غياب قنوات تواصل مفتوحة وموثوقة بينه وبين الحكومة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تفعيل مكتب اتصال حكومي، يتيح للمواطن الحصول على معلومات مباشرة وشفافة من مؤسسات الدولة، ولا سيما تلك المرتبطة بواقعه المعيشي والاقتصادي والخدمي، لا الاكتفاء بالمعلومات المتعلقة بالاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي لا يجد المواطن في نتائجها المباشرة ما يسدُّ رمقه ويؤمن له قوت يومه. كما ينبغي منح مجلس الشعب دوراً أكبر في مناقشة القضايا الخدمية والاقتصادية والمعيشية التي تمس حياة المواطنين، بحيث يكون المجلس مساحة حقيقية لطرح مشكلاتهم ومناقشة هواجسهم ونقل مطالبهم إلى مؤسساتِ الدولة.
كما تُشير أدبيات النزاع، فإن المجتمع ليس كياناً ساكناً، بل هو حصيلة جملة متداخلة من التفاعلات السياسية والثقافية والاجتماعية، والخدمية، والنفسية، والاقتصادية. وهذه التفاعلات تحتاج، بطبيعة الحال، إلى قنوات مفتوحة تستطيع من خلالها إيصال رسائلها ومطالبها والتعبير عن احتياجاتها. ولذلك، فإن غياب هذه القنوات سيؤدي حتماً إلى تراكم الاحتقان، والذي قد يدفع الناس، في نهاية المطاف، إلى النزول إلى الشارع والمطالبة بحقوقهم. في المقابل، عندما يجد المواطن من يحمل قضاياه، ويدافع عن همومه ومشكلاته اليومية، وعندما يجد إجابات واضحة وشفافة ومسؤولة من مؤسسات الدولة، حينها لن يكون مضطراً إلى النزول إلى الشارع للمطالبة بحقوقه.


