اليوان في القاهرة: تخفيف لضغط الدولار أم ارتباط بعملة جديدة؟

شفيق طاهرالجمعة 2026/09/11
Image-1771841461
ترى بكين في مصر سوقاً كبيرة (getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بالنسبة إلى مستورد مصري يشتري بضائع من الصين، تبدأ المشكلة قبل وصول البضائع إلى الميناء، إذ كيف يحصل على الدولار اللازم لتسديد الفاتورة؟. خلال أزمات العملة الأجنبية، لم يكن ارتفاع سعر الدولار هو العبء الوحيد، إذ واجهت الشركات أيضاً صعوبة في تدبيره، ما أدى إلى تأخير الشحنات ورفع أسعار السلع.

من هنا يكتسب اتفاق القاهرة وبكين على توسيع استخدام الجنيه واليوان، أهمية عملية تتجاوز الرسائل السياسية المصاحبة لزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ. فكل فاتورة صينية يمكن تسويتها باليوان تخفف جزءاً من الطلب على الدولار. وفي المقابل، ترى بكين في مصر سوقاً كبيرة ومركزاً صناعياً ولوجستياً يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا، ومحطة جديدة في مشروع تدويل عملتها.

لكن ظهور اليوان بصورة أكبر في القاهرة لا يعني أن مصر بدأت الاستغناء عن الدولار. فالتحول يمنحها أداة إضافية لإدارة تجارتها، من دون أن يحل تلقائياً مشكلة نقص العملات الأجنبية أو الاختلال الكبير في التبادل التجاري مع الصين.

 

من اتفاق المبادلة إلى فاتورة المستورد

دخل التعاون النقدي مرحلة أكثر جدية في يونيو/حزيران 2026، عندما جدد البنك المركزي الصيني ونظيره المصري اتفاق مبادلة العملات لمدة ثلاث سنوات، ورفعا سقفه من 18 إلى 30 مليار يوان، بما يعادل نحو 4.4 مليارات دولار.

يتيح الاتفاق للبنك المركزي المصري الحصول على سيولة باليوان مقابل الجنيه، ثم توفيرها للبنوك أو استخدامها في معاملات محددة، من دون الحاجة إلى شراء الدولار أولاً. عليه، يستطيع المستورد المصري دفع قيمة السلع الصينية باليوان، ويحصل المصدّر الصيني على عملته مباشرة. وبذلك تختصر عملية تحويل الجنيه إلى الدولار، ثم الدولار إلى اليوان، وهذا ما قد يقلل الطلب على العملة الأميركية وبعض تكاليف التحويل والتسوية.

 

 

فجوة تجارية ترسم حدود التحول

تظهر المشكلة الأساسية عند النظر إلى الميزان التجاري. فقد بلغت واردات مصر من الصين نحو 10.4 مليارات دولار خلال النصف الأول من 2026، مقابل صادرات مصرية قيمتها قرابة 841 مليون دولار، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. ورغم أن الصادرات المصرية إلى الصين سجلت قفزة كبيرة مقارنة بالفترة نفسها من 2025، فإنها ما تزال تغطي جزءاً صغيرا ًمن الواردات.

هذا الاختلال يعني أن الشركات المصرية تحتاج إلى يوان يفوق كثيراً ما يدخل البلاد من حصيلة الصادرات. وسيكون عليها تغطية الفارق من اتفاق المبادلة أو الاستثمارات والقروض الصينية أو عبر تحويل الدولار وعملات صعبة أخرى إلى يوان.

وإذا استُخدم اليوان لتمويل مشروع لا يحقق إيرادات بالعملة الصينية، فقد ينتقل الانكشاف من الدولار إلى مخاطر سعر اليوان وقدرة الجنيه على السداد. كذلك تظل العملة الصينية أقل قابلية للتحويل وأكثر خضوعاً لإدارة البنك المركزي المصري من الدولار المتداول بحرية في الأسواق العالمية.

 

 

تنويع محسوب لا وداع للدولار

يمكن لليوان أن يؤدي دور صمام أمان، خصوصاً عندما تتعرض موارد مصر الدولارية لضغوط ناتجة عن ارتفاع فاتورة الطاقة، أو تراجع إيرادات قناة السويس، أو خروج الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل.

فالدولار ما يزال العملة الأساسية لتسعير الطاقة والقمح وجزء كبير من التجارة العالمية. كما أن معظم التزامات مصر الخارجية وتسويات الأسواق المالية مرتبطة به أو بعملات صعبة رئيسية. وحتى المشروعات الصينية قد تحتاج إلى مكونات مستوردة من دول ثالثة تدفع قيمتها بالدولار.

ويبقى الاختبار الحقيقي في الأرقام التي لم تعلن بعد. فالتوصل إلى اتفاق مبادلة لا يعني تلقائياً أن المستوردين بدأوا استخدام اليوان على نطاق واسع. ولقياس نجاح الخطوة، ينبغي متابعة حجم المبالغ المسحوبة من التسهيل، ونسبة التجارة الثنائية التي سوّيت بالعملتين، وعدد البنوك والشركات المشاركة، وكلفة التمويل مقارنة بالدولار. ومن دون نشر هذه البيانات، قد يبقى التحول إلى اليوان عنواناً سياسياً أكبر من أثره الفعلي في السوق.

الفرصة الحقيقية ليست استبدال الاعتماد على عملة بالاعتماد على عملة أخرى، بل توزيع المخاطر. فإذا ربطت مصر استخدام اليوان بزيادة صادراتها إلى الصين، ونقل الصناعة والتكنولوجيا محلياً، وتمويل مشروعات تولد إيرادات قابلة للسداد، فقد تخفض طلبها الهامشي على الدولار وتقلل كلفة التجارة. أما استخدام القروض والمبادلات لتمويل واردات متزايدة فسيؤجل الضغط بدلاً من علاجه.

 

يبدأ اليوان اليوم رحلة أطول في القاهرة، لكنه لن يزيح الدولار قريباً. ولن يقاس النجاح بحجم الاتفاقات المعلنة، بل بقدرة مصر على تحويل الأداة النقدية إلى صادرات ومصانع وتدفقات مستدامة، لا إلى التزامات جديدة بعملة مختلفة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث