صرافة إدلب تحت قبضة المركزي السوري.. رأس المال يهدد الصغار

نور ملحمالاثنين 2026/08/24
GettyImages-2191815102.jpg
تنظيم الصرافة في الشمال السوري (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

دخل قطاع الصرافة في إدلب مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة، مع شروع مصرف سوريا المركزي في فرض قواعد موحدة على الشركات والمكاتب التي نشطت في المنطقة خلال سنوات الحرب ضمن منظومة مالية مستقلة نسبياً عن دمشق. وبينما يطرح المركزي إجراءات التنظيم بوصفها خطوة لإدخال القطاع في إطار رقابي رسمي، تثير شروط رأس المال الجديدة تساؤلات حول مصير المؤسسات الصغيرة وإمكان أن تقود عملية التنظيم إلى إعادة رسم السوق لمصلحة الشركات الأكبر.

ويأتي هذا التحول بالتزامن مع افتتاح فرع لمصرف سوريا المركزي في إدلب خلال الفترة الماضية، في خطوة أعادت حضور المؤسسة النقدية المركزية إلى المنطقة، وفتحت الباب أمام سلسلة من الإجراءات لتنظيم النشاط المالي والنقدي. وشملت هذه الإجراءات تسوية أوضاع شركات ومكاتب الصرافة، ووضع قواعد جديدة للترخيص ورأس المال والتوسع، إلى جانب إعادة ترتيب العملات المتداولة في السوق، ومن بينها الليرة التركية.

 

من تنظيم محلي إلى رقابة مركزية

تطورت سوق الصرافة في إدلب خلال سنوات الحرب ضمن منظومة مالية محلية، وشهدت انتشاراً واسعاً لشركات ومكاتب الصرافة والحوالات، التي لعبت دوراً أساسياً في تأمين الحوالات الداخلية والخارجية وتوفير العملات الأجنبية للسكان والتجار.

ومع انتقال المنطقة إلى مظلة مصرف سوريا المركزي، باتت هذه المؤسسات مطالبة بتوفيق أوضاعها مع القوانين والأنظمة النافذة على مؤسسات الصرافة المرخصة في بقية سوريا.

وكان مصرف سوريا المركزي قد بدأ في آذار 2025 إجراءات إدخال شركات ومكاتب الصرافة العاملة في إدلب وريف حلب ضمن الإطار القانوني المركزي، عبر إلزام المؤسسات الراغبة في الاستمرار بتوفيق أوضاعها وفق القوانين والأنظمة الناظمة لعمل مؤسسات الصرافة المرخصة في بقية البلاد.

وتضمنت إجراءات تسوية الأوضاع تقديم طلب ترخيص وفق النموذج المعتمد، وتسديد نفقات التحقق والدراسة، وتقديم الوثائق المطلوبة من مديرية مفوضية الحكومة لدى المصارف، إضافة إلى فتح حساب بالدولار الأميركي لدى مصرف سوريا المركزي وإيداع ما لا يقل عن 1.25 مليون دولار فيه، على أن يحتسب المبلغ جزءاً من رأس المال المدفوع للمؤسسة.

ومنح القرار المؤسسات التي تستوفي الشروط ترخيصاً مبدئياً يسمح لها بمواصلة نشاطها إلى حين الحصول على الترخيص النهائي من مجلس النقد والتسليف، مع منحها مهلة لاستكمال إجراءات توفيق الأوضاع.

 

شروط جديدة لرأس المال والفروع

لكن مسار التنظيم لم يتوقف عند تسوية الوضع القانوني، إذ تتجه المرحلة الحالية إلى إعادة هيكلة القطاع نفسه عبر فرض متطلبات أكثر تشدداً على حجم رأس المال وعدد الفروع.

ووفق معلومات حصلت عليها "المدن"، حُدد سقف عدد الفروع المسموح للشركة الواحدة بافتتاحها بـِ 30 فرعاً، فيما أصبح رأس المال المطلوب 5 ملايين دولار للشركات التي لا يتجاوز عدد فروعها عشرة، ويرتفع إلى 10 ملايين دولار للشركات التي يتجاوز عدد فروعها عشرة.

وتعني هذه الشروط انتقال القطاع من مجرد مرحلة "توفيق الأوضاع" إلى مرحلة إعادة رسم خريطة شركات الصرافة وحجم انتشارها. فالشركات التي كانت قادرة على التوسع ضمن البيئة التنظيمية السابقة ستكون مطالبة اليوم بإثبات قدرتها المالية على مواصلة نشاطها وفق القواعد الجديدة، فيما قد تجد شركات أصغر نفسها أمام خيار تقليص نشاطها أو الاندماج أو الخروج من السوق.

ويختلف ذلك بصورة كبيرة عن النموذج الذي كان سائداً في إدلب، حيث قُسمت المؤسسات سابقاً إلى ثلاث فئات. وفُرض على الفئة الأولى تأمين بقيمة 100 ألف دولار مقابل افتتاح خمسة فروع وممارسة الصرافة والحوالات والشحن، بينما احتاجت الفئة الثانية إلى 25 ألف دولار مقابل افتتاح مكتبين وممارسة الصرافة والحوالات، في حين اكتفت الفئة الثالثة بتأمين قدره 12.5 ألف دولار لممارسة أعمال الصرافة فقط.

 

من 486 مؤسسة إلى مسار الترخيص المركزي

وتكشف أرقام القطاع حجم التحول الذي تشهده سوق الصرافة، مع ضرورة التمييز بين طبيعة المنظومتين التنظيميتين. فقد بلغ عدد شركات الصرافة المرخصة ضمن منظومة إدلب السابقة نحو 486 شركة، وفق بيانات سابقة، وهو رقم يعكس اتساع شبكة المؤسسات المالية التي نشأت في المنطقة خلال سنوات الحرب.

وفي المقابل، أدرج مصرف سوريا المركزي في آب 2025 نحو 26 شركة كانت تعمل في الشمال السوري وحصلت على ترخيص مبدئي لممارسة أعمال الصرافة والحوالات، إلى جانب 14 شركة ومكتب صرافة مرخصة ومسجلة أصولاً، ليصل مجموع المؤسسات المدرجة في القائمتين إلى 40 مؤسسة.

ولا تعني المقارنة أن عدد الشركات تقلص من 486 إلى 26 مؤسسة، إذ كان الرقم الأول يعكس المؤسسات المرخصة وفق المنظومة التنظيمية السابقة في إدلب، بينما يشير الرقم الثاني إلى المؤسسات التي دخلت، حتى ذلك التاريخ، في مسار الترخيص المركزي وحصلت على موافقة مبدئية. غير أن هذه الأرقام تعطي مؤشراً إلى حجم عملية الفرز وإعادة التنظيم التي يشهدها القطاع.

 

رأس المال.. عقبة أمام الشركات؟

ويرى الخبير الاقتصادي محمد الحسيني أن إعادة تنظيم القطاع خطوة ضرورية لضبط سوق القطع الأجنبي، لكنه يحذر من أن المتطلبات المالية الجديدة قد تشكل عبئاً كبيراً على المؤسسات العاملة.

ويقول الحسيني لـِ "المدن" إن رفع الحد الأدنى لرأس المال إلى 5 ملايين دولار للشركات التي لا يتجاوز عدد فروعها عشرة، وإلى 10 ملايين دولار للشركات التي يزيد عدد فروعها على ذلك، «يفرض أعباء كبيرة على المؤسسات العاملة»، خصوصاً الشركات التي نشأت وتوسعت خلال السنوات الماضية برؤوس أموال أقل بكثير.

ويضيف أنَّ تجميد جزء من رأس المال لدى مصرف سوريا المركزي يعني عملياً حرمان الشركات من استخدام هذه السيولة في تمويل عملياتها، بما يخلق "كلفة فرصة بديلة" في سوق تعاني أصلاً من شح السيولة.

ويرى الحسيني أن المشكلة لا تكمن في مبدأ إخضاع السوق للرقابة، بل في الكلفة التي قد تترتب على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ويقول إن رفع متطلبات رأس المال قد يدفع عدداً من الشركات إلى الانسحاب أو الاندماج، ما يفتح الباب أمام تركّز السوق في أيدي عدد محدود من الشركات القادرة على توفير السيولة المطلوبة.

ويشير أيضاً إلى حاجة الشركات إلى مزيد من التوضيحات بشأن آليات التوسع، ولا سيما شروط فتح أكثر من عشرة فروع أو منافذ، وطبيعة العلاقة بين الشركة وفروعها و"كواتها"، إضافة إلى تحديد الأنشطة المالية المسموح بها بصورة أكثر وضوحاً.

 

حماية الحوالات وضبط السوق

في المقابل، يؤكد مصدر مسؤول في مصرف سوريا المركزي لـِ "المدن" أن الهدف من الإجراءات ليس تعطيل شركات الصرافة أو التضييق عليها، وإنما إدخال نشاطها ضمن إطار قانوني ورقابي واضح يحمي المتعاملين معها.

ويقول المصدر إن المركزي يعمل على إعادة تنظيم قطاع الصرافة بصورة شاملة، ويتخذ الإجراءات اللازمة لاستصدار صك تشريعي يحدد الأطر القانونية والمالية الناظمة لعمل الشركات والمؤسسات العاملة في القطاع.

ويضيف أن تنظيم القطاع يرتبط بصورة مباشرة بحماية حقوق المواطنين، ولا سيما في ما يتعلق باستلام الحوالات الخارجية وتنفيذ عمليات الصرافة عبر مؤسسات مرخصة وخاضعة للرقابة، بما يقلل المخاطر المرتبطة بالتعامل مع جهات غير مرخصة.

ويرى المصدر أن إعادة تنظيم القطاع جزء من عملية أوسع لإعادة بناء القطاع المالي والمصرفي ودمج المؤسسات التي كانت تعمل خارج الإطار القانوني ضمن منظومة واحدة تخضع لإشراف مصرف سوريا المركزي.

 

توحيد السوق النقدية

ولا تنفصل إعادة تنظيم شركات الصرافة عن مسار أوسع لإعادة ترتيب المشهد النقدي في إدلب، بعد سنوات من تداول أكثر من عملة. ويسعى مصرف سوريا المركزي، عبر تنظيم المؤسسات المالية وضبط العملات المتداولة، إلى توحيد البيئة النقدية وتعزيز رقابته على حركة السيولة والقطع الأجنبي.

وفي هذا السياق، جاءت إجراءات سحب الليرة التركية ومنع التعامل بها، في إطار إعادة ربط السوق المحلية بالسياسة النقدية للمصرف المركزي.

لكن هذه الإجراءات تضع المصرف أمام تحدٍ يتمثل في تحقيق التوازن بين ضبط السوق ورفع مستوى الرقابة من جهة، والحفاظ على المنافسة واستمرار المؤسسات الصغيرة من جهة أخرى. ويحذر المحلل الاقتصادي محمد الحسيني من أن ارتفاع متطلبات رأس المال قد يدفع بعض الشركات إلى الخروج من السوق، بما قد يؤدي إلى زيادة تركّز القطاع في أيدي الشركات الكبرى.

وبين هدف ضبط سوق القطع وحماية الحوالات، تبقى قدرة المصرف على تنظيم القطاع من دون إضعاف خدمات الصرافة والحوالات أو تقليص المنافسة، الاختبار الأبرز للمرحلة المقبلة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث