وزير السياحة لـ"المدن": الإشغال 99%..هل تعكس الأرقام الواقع؟

نور ملحمالأحد 2026/08/23
مطار دمشق الدولي (غيتي).jpg
3.5 ملايين زائر إلى سوريا (getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تشهد السياحة في سوريا خلال عام 2026 مؤشرات نمو لافتة، مع ارتفاع أعداد الوافدين خلال النصف الأول من العام إلى نحو 3.52 ملايين زائر، بزيادة بلغت 111% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفق بيانات مديرية التخطيط والإحصاء في وزارة السياحة السورية.

كما سجل عدد السياح الأجانب ارتفاعاً بنسبة 448% إلى 719 ألف سائح، فيما ارتفع عدد الزوار العرب بنسبة 107% إلى 664 ألفاً، وزادت زيارات المغتربين السوريين بنسبة 75% إلى 2.13 مليون زيارة.

وتأتي هذه الأرقام في وقت تراهن فيه وزارة السياحة على القطاع بوصفه أحد محركات التعافي الاقتصادي، بالتوازي مع طرح أكثر من 100 مشروع سياحي للاستثمار في عدد من المحافظات، ضمن رؤية تمتد حتى عام 2030.

لكن ارتفاع أعداد الزوار لا يعني بالضرورة أن تجربة جميع المغتربين الذين يعودون إلى سوريا لقضاء عطلة الصيف متشابهة، فبالنسبة إلى عائلات سورية مستقرة منذ سنوات في أوروبا ودول أخرى، لا يزال قرار العودة برفقة الأطفال مرتبطاً بجملة من المخاوف، تبدأ من الوضع الأمني ولا تنتهي عند مستوى الخدمات والنظافة والفنادق والمطاعم والأنشطة العائلية.

وتؤثر مواقع التواصل الاجتماعي بشكل واضح في تشكيل هذه الصورة، فالفيديوهات والأخبار التي تتحدث عن حوادث أمنية أو عن تراجع الخدمات، إضافة إلى منشورات تصف الوضع في سوريا بأنه غير مستقر أو أن الخدمات الأساسية باتت في مستوى متدنٍ، تصل إلى المغترب قبل أن يصل هو إلى البلاد، وتدخل في حسابات العائلة عند اتخاذ قرار السفر.

 

أسبوع واحد كان كافياً

تقول وفاء الأتاسي، وهي سورية مقيمة في ألمانيا، إنها قررت العودة إلى سوريا خلال الصيف وقضاء وقت مع أهلها وأقاربها، لكنها لم تتمكن من البقاء أكثر من أسبوع.

وتشير الأتاسي لـِ "المدن" إلى أن الانتقال من نمط الحياة والخدمات في ألمانيا إلى الواقع الذي وجدته في سوريا كان صعباً بالنسبة إليها، وجعل فكرة قضاء عطلة طويلة مع أطفالها أكثر تعقيداً، لافتة إلى أن الفارق في الأجواء والخدمات اليومية كان من العوامل التي دفعتها إلى اختصار إقامتها.

لكن الجانب الأكثر حضوراً بالنسبة إليها كان القلق المتعلق بالأطفال. فالأخبار والمقاطع التي تتداولها مواقع التواصل الاجتماعي عن حوادث خطف الأطفال والفتيات جعلتها، وفق حديثها، أكثر حذراً في التعامل مع الأنشطة التي يمكن أن يشارك فيها أطفالها.

وتكمل الأربعينية قائلة إنها لم تكن قادرة على إرسال أطفالها إلى فعالية للسباحة أو لعبة أو مهرجان أو نشاط مخصّص للأطفال من دون أن يرافقهم أحد، بسبب حالة القلق التي خلقتها الأخبار المتداولة على نطاق واسع، حتى في الحالات التي لم تكن فيها قادرة على التحقق من صحة تلك الأخبار أو ظروفها.

وبالنسبة إلى عائلات مثل عائلة وفاء، فإن السياحة لا تعني فقط وجود فندق أو مطعم بأسعار مناسبة، بل تتعلق أيضاً بالشعور بالاطمئنان، وتوفر بيئة مناسبة للأطفال، وإمكانية أن تتحرك العائلة وتشارك في الأنشطة اليومية من دون أن تبقى أسيرة المخاوف.

 

الأسعار مناسبة.. لكن النظافة مشكلة

في المقابل، يقدم منذر الغانم، وهو سوري مقيم في هولندا، تجربة مختلفة. فقد عاد إلى سوريا برفقة عائلته وأطفاله، واتجه إلى اللاذقية لقضاء جزء من عطلته على الساحل.

يقول الغانم لـِ "المدن" إن انطباعه العام عن الوضع كان جيداً، وإن الأسعار في سوريا تناسب دخل المغترب، بل تبدو منخفضة مقارنة بما اعتاد عليه في هولندا، وهو الأمر الذي يجعل قضاء عطلة في سوريا خياراً اقتصادياً مناسباً بالنسبة إليه.

لكن هذا الانطباع الإيجابي يصطدم، وفق الغانم، بمشكلة واضحة تتمثل في النظافة، التي يضعها في مقدمة المشكلات التي لمسها خلال زيارته، سواء على الشاطئ في اللاذقية أو في العاصمة دمشق.

ويشير إلى أن أكوام النفايات والروائح غير المقبولة تظهر في أماكن مختلفة، معتبراً أن معالجة ملف النظافة يجب أن تكون أولوية، خصوصاً إذا كانت سوريا تريد استقطاب مزيد من السياح والمغتربين وتحويل الزيارة إلى تجربة تتكرر سنوياً.

وتكشف التجربتان، رغم اختلافهما، أنَّ تقييم السياحة السورية من قبل المغتربين لا يقوم على عامل واحد. فبينما يرى منذر أن الأسعار والأجواء العامة مناسبة، يجد أن النظافة تشكل نقطة ضعف أساسية، فيما ترى وفاء أن الفارق في الخدمات ونمط الحياة، إلى جانب المخاوف التي تحملها معها من ألمانيا، جعل إقامتها أقصر مما خططت له.

 

ما يُتداول عن عدم الأمان لا يعكس الواقع

وفي مقابل هذه المخاوف، يؤكد وزير السياحة السوري مازن الصالحاني أن الموسم السياحي الحالي يشهد إقبالاً متزايداً على سوريا، مشيراً إلى أن بيانات حركة القدوم عبر المعابر الجوية والبرية تعكس ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد الزوار والمغتربين.

وقال الصالحاني في تصريح خاص لـِ "المدن" إن نسب إشغال الفنادق وصلت في بعض المنشآت إلى نحو 95%، وتجاوزت في بعضها 99%، بالتزامن مع ارتفاع الحركة في المطاعم والمرافق السياحية، معتبراً أن هذا الإقبال يعكس تحسناً واضحاً في النشاط السياحي.

وفيما يتعلق بما يُنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي من تحذيرات وأخبار تتحدث عن عدم أمان سوريا، قال الوزير إنَّ "جزءاً كبيراً مما يتم تداوله لا يستند إلى واقع ميداني، وإنما يأتي في إطار أخبار وشائعات يجري تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي"، داعياً إلى عدم الاعتماد على المنشورات غير الموثوقة في تكوين صورة عن الواقع السياحي والأمني في البلاد.

وأشار الصالحاني إلى أن الحركة السياحية والفعاليات التي تشهدها مختلف المناطق تقدمان صورة مباشرة عن الواقع، لافتاً إلى أن مجموعات من سائقي الدراجات النارية نفذت مؤخراً جولة في الساحل السوري، بالتعاون مع وزارتي السياحة والرياضة، وتنقلت بين عدد من المناطق، معتبراً أن مثل هذه الفعاليات تساهم في نقل صورة واقعية عن سوريا إلى الخارج.

ويرى الوزير أنَّ الإقبال المتزايد على البلاد، إلى جانب حركة السياح والمغتربين، يعكس، من وجهة نظره، تغيراً في الصورة المتداولة عن سوريا، متوقعاً أن تصبح سوريا "المقصد الرئيسي للسياحة في المنطقة بحلول عام 2030".

 

بين الأرقام والانطباعات

ولا تتوقف رؤية الوزارة عند زيادة أعداد الوافدين. فالصالحاني يشير إلى أن التحول الرقمي يمثل جزءاً أساسياً من تطوير القطاع، ومن هذا المنطلق جاء إطلاق تطبيق "ماي سيريا"، الذي يهدف إلى تسهيل تجربة السائح والمغترب عبر خدمات حجز الطيران والفنادق، وتاكسي المطار، وتأجير السيارات، وحجز المطاعم والاطلاع على قوائم الطعام والأسعار، إضافة إلى خدمات أخرى من المقرر إدراجها لاحقاً.

كما يؤكد الوزير أن إظهار أسعار الخدمات السياحية بشكل واضح أمام المستخدم من شأنه تعزيز المنافسة بين المنشآت، والمساهمة في ضبط الأسعار وتقديم خيارات أكثر ملاءمة للسائح والمغترب.

وتعد السياحة من القطاعات القادرة على ضخ السيولة في الاقتصاد، إذ ينتقل إنفاق الزائر إلى عشرات الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالنقل والإقامة والمطاعم والتسوق والخدمات. ولذلك تعمل وزارة السياحة، وفق رؤيتها، على إطالة الموسم السياحي، وتنويع المنتجات والفعاليات، وخلق وجهات جديدة في مختلف المحافظات، بما يحول النشاط السياحي إلى حركة اقتصادية مستمرة على مدار العام.

وفي المقابل، فإن السائح أو المغترب قد يأتي بدافع الحنين أو زيارة الأهل أو بسبب انخفاض الأسعار مقارنة ببلد إقامته، لكن قرار العودة يرتبط بما يعيشه خلال الزيارة من خدمات ونظافة وأمان ووسائل نقل ومستوى الفنادق والمطاعم والأنشطة المتاحة للعائلات.

وهنا تبدو الفجوة بين الصورة الرسمية والتجربة الفردية بحاجة إلى معالجة لا تقتصر على الترويج. فمواجهة ما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي لا تتم فقط بنفي الأخبار أو وصفها بالشائعات، بل أيضاً بتوفير تجربة يومية مختلفة يستطيع الزائر نفسه نقلها إلى عائلته وأصدقائه ومتابعيه.

فإذا كان بعض المغتربين يرى أن الأسعار تجعل سوريا وجهة مناسبة لقضاء العطلة، فإن مشكلات مثل النظافة أو القلق المرتبط بالأطفال يمكن أن تتحول إلى عوامل تدفع آخرين إلى تقصير إقامتهم أو عدم تكرار التجربة.

وبينما تراهن وزارة السياحة على أرقام النمو والاستثمارات الجديدة للوصول إلى هدفها بجعل سوريا مقصداً رئيسياً للسياحة في المنطقة بحلول 2030، تبدو مهمة القطاع في المرحلة المقبلة أبعد من استقطاب الزائر للمرة الأولى.

التحدي الحقيقي هو أن يغادر الزائر وهو يحمل صورة أفضل مما حمله معه قبل الوصول، وأن يجد ما يدفعه إلى العودة مرة أخرى، لا أن تبقى الزيارة الأولى مجرد تجربة مرتبطة بالحنين إلى الوطن.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث