أميركا تلاحق تمويل حزب الله: عقوبات بأبعاد إقليميّة جديدة

خاص - المدنالجمعة 2026/08/21
Image-1762679021
تتعاطى الوزارة مع الحزب كجزء من شبكة النفوذ الإيرانية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبيّة، التابع لوزارة الخزانة الأميركيّة، أمس الخميس فرض عقوبات جديدة على 10 أفراد، يشكّلون جزءاً من شبكة مسؤولة عن تحويل الأموال لمصلحة حزب الله. اللافت في القرار الجديد، هو شمول العقوبات على حزب الله أبعاداً إقليميّة جديدة، إذ يتولّى إدارة هذه الشبكة -بحسب وزارة الخزانة- رجل أعمال تركي، مع استغلاله بعض شركات الصرافة الموجودة في تركيا كواجهة لأنشطته التجاريّة. وتحدّث البيان عن خطط متعدّدة اُسْتُعْمِلت لنقل الأموال، ومن بينها تهريب النفط وبيع السلع وتهريب الأموال النقديّة بكميّات كبيرة. كما تم الحديث عن الحزب بوصفه جزءاً من شبكة نفوذ إيرانيّة إقليميّة، لا بوصفه جهة لبنانيّة تتلقى دعماً إيرانياً. 

 

تركيا تحت المجهر

لم تكن هذه المرّة الأولى التي تضع فيها واشنطن تركيا تحت المجهر، في كل ما يتعلّق بشبكات التمويل التي تستخدمها إيران، لدعم حلفائها في المنطقة. في تشرين الثاني الماضي، وكجزء من حملة "الضغوط القصوى" التي مارستها الإدارة الأميركيّة على طهران، قاد وكيل وزارة الخزانة الأميركيّة لشؤون مكافحة الإرهاب والاستخبارات الماليّة جون هيرلي جولةً على رأس وفد تقني، لملاحقة شبكات التمويل الإيرانيّة على مستوى المنطقة. 

يومها، كان لكل محطّة في تلك الجولة رمزيّتها: بداءاً من تل أبيب، الشريك العمليّاتي الأوّل لواشنطن في المنطقة، وانتهاءً ببيروت، الوجهة الأهم للتمويل الذي تخصّصه طهران لحليفها حزب الله. وبين تل أبيب وبيروت، مرّ الوفد بمحطتين أساسيّتين: تركيا والإمارات العربيّة المتحدة، حيث تقع أهم المراكز الماليّة واللوجستيّة، التي يمر عبرها جزء كبير من التجارة والعمليّات النقديّة الإقليميّة. وهذا ما يجعل الدولتين أبرز الساحات التي تسعى طهران لاستعمالها، للتهرّب من القيود المفروضة عليها، سواء على نحوٍ معلن، أو عبر شركات واجهة.

يوم الأربعاء الماضي، أي قبل يومٍ واحد من فرض العقوبات الجديدة، أعلنت الإمارات وقف جميع الأنشطة والتبادلات التجاريّة مع إيران، حتّى إشعارٍ آخر. وبهذا الشكل، رفعت الإمارات القيود إلى حدّها الأقصى، في كل ما يتعلّق بالأنشطة الاقتصاديّة لإيران داخل الأسواق الماليّة الإماراتيّة. مع الإشارة إلى أنّ المستثمرين الإيرانيين لطالما استفادوا -سابقاً- من بيئة الأعمال المُسهّلة لأنشطتهم في الإمارات، وتحديداً لجهة سهولة إنشاء الشركات وتشغيلها، ومرونة التداولات النقديّة بين الإمارات والأسواق الأخرى. 

في المقابل، بدا أن واشنطن لا تزال ترى ضرورة قيام أنقرة بالمزيد، على مستوى ملاحقة شبكات التمويل الإيرانيّة، بما فيها تلك الموجّهة لمصلحة تنظيم حزب الله. وقد يكتسب هذا التوجّه الأميركي أبعاداً سياسيّة، تتخطى الجانب التقني والعمليّاتي فقط، مع تزايد التوتّرات بين أنقرة وتل أبيب، وحرص أنقرة على اتخاذ موقف متوازن إزاء الحرب القائمة في منطقة الخليج. وكان الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان قد أشار مؤخراً إلى أنّ أمن بلاده لا يبدأ من ولاية هاتاي، بل من حلب ودمشق وبيروت، مؤكّداً أن تركيا لن تسمح بأوهام "أرض الميعاد"، وهو ما أشار إلى درجة التنافس الجيوسياسي القائم حالياً في المنطقة، بين تركيا وإسرائيل.

 

إشارات سابقة

ربطت واشنطن هذه المرّة ما بين العقوبات المفروضة على شبكات تمويل حزب الله، ونشاط هذه الشبكات في تركيا. غير واشنطن كانت قد صوّبت أكثر من مرّة في أوقات سابقة، على الأنشطة الماليّة الإيرانيّة على الساحة التركيّة.

ففي تمّوز الماضي، أشارت وزارة الخزانة الأميركيّة إلى أنّ شبكات رجل الأعمال الإيراني بابك زنجاني استخدمت شركات في تركيا والإمارات، لتوفير البنية الماليّة والتكنولوجيّة لمنصّات الأصول الرقميّة. ورأت الوزارة أنّ محافظ ماليّة مرتبطة بهذه الشركات عالجت أموالاً منسوبة للحرس الثوري، ما سهّل لإيران تنظيم المدفوعات العابرة للحدود. وقبل ذلك بنحو أربع سنوات، صوّبت الوزارة على شبكة تركيّة، عملت إخفاء مصدر عائدات بيع النفط والمواد البتروكيماويّة الإيرانيّة، باستخدام أسواق الذهب والنقد المحليّة.

ومن الأبعاد المهمّة في العقوبات الجديدة، تبرز الطريقة التي أعادتها وزارة الخزانة لتوصيف موقع حزب الله داخل المنظومة الماليّة الإيرانيّة. فالوزارة لم تكتفِ هذه المرّة بالإشارة إلى التمويل الذي يحصل عليه الحزب من طهران، بل أعادت تصنيفه بموجب الأمر التنفيذي 13224، على أساس أنّه يعمل لمصلحة النظام الإيراني وتحت قيادة فيلق القدس. كما استندت في ذلك إلى ما وصفته بتنسيق فيلق القدس لهجمات الحزب، وانخراطه العميق في توجيه قراراته السياسيّة. وهذا التفصيل مهم، لأنّه ينقل المقاربة الأميركيّة من التعامل مع حزب الله كجهة لبنانيّة تتلقى تمويلاً إيرانياً، إلى اعتباره جزءاً عضويّاً من شبكة إقليميّة يديرها فيلق القدس. وبذلك، يصبح استهداف شبكات حزب الله جزءاً من سياسة أوسع لعزل مصادر التمويل الإيراني إقليمياً، وبما يتخطّى كونه أداة ضغط منفصلة على الحزب داخل لبنان. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث