قمح سوريا.. مستحقات المزارعين عالقة والسيولة تهدّد المواسم

نور ملحمالسبت 2026/08/15
قمح سوريا (Getty)
مستحقات مزارعي القمح في سوريا عالقة (getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

رغم انتهاء موسم حصاد القمح وتسليم المزارعين محاصيلهم إلى مراكز الاستلام الحكومية وفق الآليات المعتمدة، لا يزال عدد كبير من فلاحي سوريا ينتظرون الحصول على مستحقاتهم المالية. وفي الرقة والحسكة، تصاعدت شكاوى المزارعين خلال الأيام الأخيرة، وصولاً إلى تنظيم وقفات احتجاجية للمطالبة بصرف قيمة المحصول وتحديد موعد واضح وثابت للدفع.

ويأتي تأخر المستحقات في وقت يعتمد فيه المزارعون على عائدات القمح لتسديد الديون التي تراكمت خلال الموسم، وتأمين البذار والأسمدة والمحروقات، ودفع تكاليف الحراثة والحصاد والنقل، فضلاً عن تمويل الموسم الزراعي التالي. ومع استمرار الانتظار، يتحول ثمن المحصول الذي يفترض أن يوفر السيولة للفلاح بعد انتهاء الموسم إلى مصدر جديد للقلق والديون.

 

سلّمنا المحصول.. ولم نحصل على ثمنه

يقول محمد العرابي، وهو مزارع من ريف دمشق، إن قرار صرف قيمة المحاصيل على دفعات وضع المزارعين أمام أزمة إضافية، لأن المزارع ينتظر ثمن محصوله طوال الموسم لتسديد الالتزامات المتراكمة عليه.

ويشير العرابي لـِ "المدن" إلى أن غالبية المزارعين يعتمدون على الشراء بالدين خلال الموسم، سواء لجهة البذار أو الأسمدة أو المحروقات وغيرها من مستلزمات الإنتاج، على أمل تسديد هذه الديون فور استلام قيمة محصول القمح.

ويضيف أن الحصول على الأموال على دفعات لا يحل المشكلة، لأن الدائنين وأصحاب مستلزمات الإنتاج يريدون مستحقاتهم كاملة، بينما يحتاج المزارع إلى إغلاق حساباته حتى يتمكن من الاقتراض مجدداً للموسم التالي.

ولا تقتصر تداعيات تأخر المستحقات على أصحاب الأراضي، بل تمتد إلى العاملين المرتبطين بموسم الحصاد.

ويقول مجد العثمان، وهو سائق حصّادة، إنهم تكبدوا نفقات كبيرة خلال الموسم، واعتمدوا في جزء منها على الدين، بما في ذلك المازوت والأكياس وأجور إصلاح الآليات.

ويشير العثمان لـِ "المدن " إلى أن بعض المحاصيل اضطرت إلى الانتقال إلى صوامع أخرى بسبب مشكلات في الاستلام، ما حمّل أصحابها تكاليف نقل إضافية، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام انتظار جديد للحصول على قيمة المحصول.

 

التأخير يهدّد الموسم المقبل

من جهته، يقول محمد خليف، عضو اتحاد الفلاحين في سوريا، إن تأخر صرف مستحقات مزارعي القمح ينعكس مباشرة على قدرتهم على الاستمرار في العملية الزراعية، لأن معظم الفلاحين يعتمدون على قيمة المحصول لتسديد الديون التي تراكمت خلال الموسم وتأمين مستلزمات الموسم الجديد.

ويشير خليف لـِ "المدن" إلى أن الفلاح لا يستطيع التعامل مع مستحقاته على أنها أموال يمكن تأجيلها، فهي مرتبطة بسلسلة من الالتزامات، من أثمان البذار والأسمدة والمحروقات إلى أجور العمال والحصاد والنقل، فضلاً عن الديون التي اقترضها المزارع على أمل سدادها فور تسليم محصوله.

ويرى أن استمرار التأخير قد يؤدي إلى تراجع قدرة المزارعين على تمويل الموسم المقبل، ويدفع بعضهم إلى تقليص المساحات المزروعة أو العزوف عن الزراعة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراكم الديون.

ويؤكد خليف أن المطلوب هو وضع جدول زمني واضح وملزم لصرف كامل مستحقات المزارعين، وتأمين السيولة اللازمة، وعدم تحميل الفلاح تبعات نقص التمويل أو التعقيدات الإدارية والمصرفية.

ويعتبر أن الإسراع في تسديد المستحقات يمثل خطوة أساسية للحفاظ على ثقة الفلاح بالمؤسسات الحكومية وتشجيعه على الاستمرار في زراعة القمح، خصوصاً أن هذا المحصول يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي للبلاد.

 

احتجاجات متكررة 

في الرقة، نظم عدد من فلاحي المحافظة وقفة احتجاجية أمام مبنى المحافظة للمرة الثانية خلال أسبوع، مطالبين بالإسراع في صرف مستحقاتهم المالية عن محصول القمح، وتحديد موعد ثابت وواضح للدفع.

وطالب المحتجون أيضاً بتحسين آلية الصرف في المصرف الزراعي والالتزام بتسلسل الدور وفق تواريخ تسليم المحصول، في ظل شكاوى من انتظار بعض المزارعين لفترات طويلة للحصول على قيمة محاصيلهم.

في المقابل، يقول مدير عام مؤسسة الحبوب، حسن العثمان، إن مؤسسة الحبوب أحالت الجداول الخاصة بالمزارعين ومستحقاتهم إلى المصرف الزراعي، الذي حصل على قرض من المصرف المركزي لتمويل عمليات الدفع.

وأوضح العثمان لـِ "المدن" أن فروع المصرف الزراعي بدأت بدفع مستحقات المزارعين، مع تسجيل بعض التأخير في عدد من المواقع بسبب تضرر البنية التحتية للمصارف، متوقعاً أن تبدأ جميع الفروع بتسليم المستحقات خلال الأسبوع الجاري.

وبشأن قيمة المبالغ التي جرى تحويلها، أوضح العثمان أن الأرقام متحركة وليست ثابتة، تبعاً لحجم الفواتير والتحويلات، مشيراً إلى تحويل 35 مليار ليرة سورية في الدفعة الأولى، تلاها تحويل 65 مليار ليرة.

ولفت العثمان إلى أن دور مؤسسة الحبوب ينتهي بتحويل الفواتير والبيانات الخاصة بالكميات المستلمة إلى المصارف الزراعية، باعتبارها الجهة المخولة بصرف قيم الأقماح للمزارعين.

ووفق العثمان، فإن الحديث عن سداد ما يعادل نحو مليار دولار للمزارعين لا يزال غير دقيق رقمياً في الوقت الحالي، وبالتالي لا يمكن اعتماده رقماً نهائياً لحجم المدفوعات.

 

إنتاج كبير.. واحتياطي يكفي حتى 2027

يأتي تأخر مستحقات المزارعين في موسم تصفه مؤسسة الحبوب بأنه مميز، إذ قال العثمان إن سوريا لا تحتاج إلى استيراد القمح حتى بداية موسم حصاد 2027.

وأوضح أن الظروف الجوية الملائمة وعودة مساحات واسعة إلى العملية الزراعية ساهمتا في زيادة الإنتاج، مشيراً إلى عودة الفلاحين والمهجرين إلى أراضيهم وزراعة مساحات كانت غير مستثمرة خلال السنوات الماضية.

وأشار العثمان إلى أن الكميات المتوفرة من القمح تبلغ نحو 3.5 ملايين طن، وهي كمية تكفي لنحو 16 شهراً بعد احتساب الكميات المخصصة للطحن، فيما لا تزال كميات محدودة بانتظار دورها على منصة التسليم.

وبذلك، تأتي أزمة المستحقات في وقت تقول فيه مؤسسة الحبوب إن البلاد تمتلك مخزوناً كافياً من القمح، بينما تبقى المشكلة بالنسبة إلى المزارعين في تأمين السيولة اللازمة للحصول على قيمة المحصول.

 

آلية جديدة لصرف المستحقات

بالتزامن مع بدء عمليات الدفع، اعتمد المصرف الزراعي التعاوني آلية جديدة لصرف مستحقات الفلاحين من قيم الحبوب للموسم الحالي 2025-2026.

وبحسب تعميم المصرف، سيتم تحويل 25% من صافي مستحقات الفلاحين إلى حساباتهم المفتوحة على "شام كاش"، فيما تصرف نسبة 75% المتبقية وفق التعليمات المعتمدة لدى المصرف الزراعي التعاوني.

وطلب التعميم من فروع المصرف إعادة فتح الحسابات الجارية الخاصة بالفلاحين، وإعداد ملفات تتضمن البيانات المطلوبة للتحويل، ومنها رقم حساب "شام كاش" والمبلغ المطلوب تحويله.

كما شدد المصرف على استكمال بيانات الفلاحين المستحقين وإرسال الملفات وفق النموذج المحدد، تمهيداً لتنفيذ عمليات التحويل.

ويربط التعميم هذه الإجراءات مباشرة بوضع السيولة، إذ أشار إلى أنها تأتي في ظل عدم توفر السيولة اللازمة من قبل مصرف سوريا المركزي لصرف كامل قيم الحبوب للموسم الحالي.

تضيف الآلية الجديدة تحدياً آخر أمام بعض المزارعين، خصوصاً الذين لا يمتلكون حسابات سابقة على  "شام كاش" أو ليست لديهم خبرة كافية باستخدام الخدمات المالية الإلكترونية.

ويقول سليم الخواجة، وهو مزارع من ريف حماة، إنه بعد انتظار قيمة محصوله لأشهر، أصبح مطالباً أيضاً باستكمال بيانات حساب إلكتروني لاستلام 25% من صافي مستحقاته، فيما تبقى النسبة الأكبر، وهي 75%، خاضعة للإجراءات المصرفية المعتمدة.

ويبين الخواجة لـِ "المدن" أن مخاوف المزارعين لا تقتصر على موعد الدفع، بل تشمل أيضاً قدرتهم على التعامل مع آلية التحويل والسحب، خصوصاً في المناطق الريفية وبين كبار السن أو من لا يستخدمون الهواتف الذكية والخدمات الإلكترونية بصورة منتظمة.

كما تبرز مخاوف من اضطرار بعض المزارعين إلى الاستعانة بوسطاء أو صرافين لسحب الأموال أو التعامل مع الحسابات الإلكترونية، ما قد يعرضهم لاقتطاعات أو استغلال في حال غياب آلية واضحة وسهلة للسحب.

 

السيولة.. العقدة الأساسية

تكشف الإجراءات الحكومية والمصرفية أن أزمة مستحقات القمح ترتبط بدرجة كبيرة بأزمة السيولة.

فمؤسسة الحبوب تقول إنها أحالت بيانات المزارعين إلى المصرف الزراعي، فيما يقول المصرف إن عدم توفر السيولة الكافية لدى مصرف سوريا المركزي حال دون صرف كامل قيمة الحبوب.

وبين الجهتين يقف المزارع الذي زرع الأرض، وتحمل تكاليف الإنتاج، وحصد المحصول، ثم سلّمه إلى مراكز الاستلام، قبل أن يجد نفسه أمام انتظار جديد للحصول على ثمنه.

ووفق إحصائيات وزارة الزراعة، بلغت المساحة المزروعة بالقمح خلال موسم 2026 نحو 1.4 مليون هكتار، فيما يتجاوز الإنتاج المتوقع 3 ملايين طن.

وتتصدر المحافظات الشرقية إنتاج القمح في سوريا، إذ تستحوذ الحسكة على نحو 37% من إجمالي الإنتاج، تليها الرقة وحلب بنسبة 18% لكل منهما، ثم دير الزور بنسبة 11%.

وفي الحسكة، بلغت كميات القمح المسوقة إلى مراكز الاستلام المعتمدة نحو 1.15 مليون طن حتى الثاني من آب/ أغسطس، فيما تواصل مراكز الاستلام في الرقة ودير الزور استقبال الكميات الواردة.

وتقول وزارة الزراعة إن الموسم الحالي شهد تنفيذ الخطة الزراعية بنسبة 100%، مدفوعاً بتحسن الهطولات المطرية، حيث تجاوز متوسط المردود في الأراضي المروية 3000 كيلوغرام للهكتار، مقابل نحو 1800 كيلوغرام للهكتار في الأراضي البعلية.

رغم وفرة إنتاج القمح هذا الموسم وارتفاع المخزون، لا يزال تأخر صرف المستحقات يمثل عبئاً على المزارعين، الذين يعتمدون على عائدات المحصول لتسديد ديونهم وتمويل الموسم التالي.

وبينما بدأت عمليات الدفع وفق آلية جديدة مرتبطة بنقص السيولة، يبقى مطلب الفلاحين واضحاً: الحصول على كامل قيمة محصولهم ضمن موعد محدد وواضح، بما يضمن استمرارهم في الزراعة وعدم انتقال أزمة السيولة إلى الموسم المقبل.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث