صادق مجلس الوزراء، يوم أمسٍ الجمعة، على كتاب الرد على طلب التمديد لشركة سوليدير، وهو ما يفترض أن يطلق مسار التفاوض بين الطرفين بهذا الشأن. وبذلك، تكون الحكومة قد حددت الإطار العام والأفكار الأساسيّة، التي يفترض أن تقود المحادثات خلال المرحلة المقبلة. ويمكن القول إنَّ ما صادق عليه مجلس الوزراء يوم أمس يصب في خانة التفاوض على تمديد محدود المدّة، على أن يتم وضع جدول زمني لتنفيذ المشاريع والالتزامات المتوجبة على الشركة، والتي لم يتم تنفيذها سابقاً رغم ورودها في المخطط التوجيهي.
"المدن" تقدّم في هذا المقال تفاصيل كتاب الرد الذي وافق عليه مجلس الوزراء يوم أمس.
التدقيق والمتطلبات القانونية
ينص كتاب الرد على أنّه يجب أن يسبق أي قرار بتمديد مدة الشركة "استيفاؤها جميع المتطلبات القانونية والإجرائية التي تحكم مثل هذا الطلب". وعلى وجه الخصوص، بحسب الكتاب، يتعين على سوليدير تقديم "جميع المستندات التي يفرضها القانون أو تطلبها الحكومة لهذا الغرض"، بما في ذلك "إفادة براءة ذمة ضريبية حديثة تؤكد تسوية كل الالتزامات المستحقة للخزينة اللبنانية، عند وجودها". كما طلب الكتاب من الشركة تقديم تدقيق من قبل جهة مستقلة في حسابات الشركة وأصولها ورصيدها العقاري، بهدف التوصل إلى تقييم شفاف ومرجعي لوضع الشركة.
وتشترط الحكومة، قبل بدء المفاوضات، إصدار قرار عن الجمعية العمومية لشركة سوليدير يطلب تمديد مدتها، وذلك وفقاً لنظامها الأساسي وأحكام القانون الذي ينص على أن أي مرسوم بشأن تمديد مدة الشركة يجب أن يستند إلى طلب صادر عن الجمعية العمومية.
ويرى الكتاب أنّ هذه المتطلبات تشكّل شروطاً إجرائية مسبقة تقتضي تلبيتها قبل الشروع في أية إجراءات من طرف الحكومة في شأن التمديد.
جداول زمنيّة للتنفيذ
ترى الحكومة أنه من غير المناسب منح الشركة تمديداً غير مشروط وطويل الأمد. وفي المقابل، يقترح الكتاب التمديد على مراحل، كأن تمنح مثلاً تمديداً أولياً لمدة ثماني سنوات، يُجدّد لست سنوات إضافية من قبل مجلس الوزراء بعد التثبت من التزام الشركة بنتائج مؤشرات الأداء المتفق عليها.
وخلال هذه المدّة، تطالب الحكومة بوضع غرامات مالية على أي تأخير في التنفيذ، أو أي إخلال جوهري بالعقد ناجم عن وقوع مخالفات جسيمة، على أن يُطبّق ذلك على مراحل المشروع المختلفة والجداول الزمنية المتفق عليها كأساس للتمديد. وترى الحكومة أن اعتماد مثل هذه الآلية يشكّل أمراً أساسياً لضمان مواءمة الحوافز التجارية الممنوحة للشركة مع تحقق قيمة مضافة فعلية للصالح العام، من خلال الوفاء بالتعهدات المتفق عليها في المواعيد المحددة.
في المقابل، يرى الكتاب أنّه منذ عام 1994، استفادت شركة سوليدير من تقديمات وتسهيلات عدة من قبل الدولة، بما شمل حقوق ردم في الواجهة البحرية، ونقل ملكية أراضٍ، إضافة إلى مجموعة من الإعفاءات الضريبية والمالية. وترى الحكومة أن هذه المنافع التي وفرتها الدولة أسهمت في خلق قيمة مضافة للشركة، من دون أن تقابلها قيمة مماثلة أو كافية لجهة المصلحة العامة.
ولذلك، يرى الكتاب أن التمديد يجب أن يترافق مع البحث في آلية تحدّ من احتفاظ الشركة بالعقارات الشاغرة، سواء بالنسبة إلى الأراضي غير المطورة بعد، أو العقارات المطوّرة وغير المستغلة ضمن نطاق سوليدير، بما يشجع على تفعيل هذه الأصول، وعلى تسريع إحياء وسط بيروت كمركز حضري نابض بالحياة.
وترى الحكومة أن أي نشاط أو مشروع مستقبلي مدرّ للدخل تنفذه سوليدير، بما في ذلك بيع الأراضي أو تأجيرها أو تنفيذ مشاريع إنشائية جديدة، يجب أن يخضع لإطار مالي وضريبي محدّث وملائم، بما فيه ضريبة الدخل على الشركات ورسوم التسجيل العقاري، وبما يتماشى مع المعايير المطبقة في سائر أنحاء البلاد.
المشاريع ذات الأولوية
يحدد الكتاب مجموعة من المشاريع ذات الأولويّة، التي يفترض أن تنفّذها سوليدير على أساس جدول زمني واضح، بعد التمديد لها. وتشمل هذه المشاريع:
المساحات العامة والواجهة البحرية: استكمال الحديقة العامة البحرية (حديقة رفيق الحريري) والكورنيش على الأراضي المستصلحة، بما يشمل إعداد تصميم متكامل للمناظر الطبيعية مع مراعاة التكيّف مع التغير المناخي. ووضع وتنفيذ خطة لمواقف سيارات بجانب الحديقة التي تقدّر مساحتها بنحو ٦٠ ألف متر مربع، فضلاً عن ضرورة تأمين تواصل الكورنيش البحري الممتد من الرملة البيضاء إلى مرفأ بيروت، مروراً بالروشة، والحمام العسكري، وكورنيش المنارة، وعين المريسة، وخليج الزيتونة.
ساحة الشهداء: استكمال تطوير ساحة الشهداء كفضاء مدني عام متكامل وفقاً للمخطط العمراني المعتمد، والمشروع الذي صممه رينزو بيانو، مما يعيد التأكيد على دور هذه الساحة كمركز رئيسي للحياة المدنية والعامة في المدينة. ويطلب الكتاب إنجاز موقف السيارات العام تحت ساحة الشهداء، وفي حال تعذّر ذلك لأسباب أثرية، يكون على سوليدير اقتراح وتمويل حل بديل بعد الاتفاق عليه. ويطلب الكتاب "إعداد وتنفيذ خطة للنقل ومسارات للمشاة، بالتنسيق مع الجهات المعنية، بما يربط الساحة بالأحياء والمناطق المحيطة".
المعالم الثقافية والتراثية: تطلب الحكومة إنشاء وإنجاز متحف تاريخ مدينة بيروت وحديقة التل الأثري، في الموقع الممتد من شمال ساحة الشهداء وصولاً إلى البحر والسور الفينيقي. كما تطلب ترميم المسرح الكبير، الذي شُيّد عام 1929 ويُعدّ من أبرز معالم الذاكرة الثقافية للمدينة، بعدما تضرّر خلال الحرب الأهلية، ولم يُرمّم حتى اليوم. كما ينص الكتاب على ضرورة تطوير "حديقة الغفران" الواقعة بين ساحة الشهداء وساحة النجمة (وفق تصميم غوستافسون بورتر)، إلى جانب اعتماد خطة يتفق عليها، وفعالة من حيث الكلفة، لصيانتها على المدى الطويل. وترى الحكومة أن هذه المواقع ذات القيمة الثقافية والتراثية ينبغي أن تكون مملوكة من القطاع العام بعد استكمال تطويرها، بما يتيح للجهات العامة المختصة تشغيلها وإدارة الأنشطة الثقافية والتراثية التي أُنْشِئْتِ من أجلها.
أحواض المرفأ وتطوير الحوض الشرقي: تطلب الحكومة استكمال تطوير الحوض الشرقي (المرفأ السياحي)، مع نقل ملكية موقف السيارات العام المجاور للحوض الغربي إلى بلدية بيروت عند انتهاء مدة الشركة.
خطة لتعزيز الثقافة والتراث والترابط الحضري: وأخيراً، وبحسب الكتاب، ترغب الحكومة في بحث خطة شاملة مع سوليدير، "لإعادة إحياء وسط بيروت بوصفه فضاءً عاماً نابضاً بالحياة ومترابطاً مع بقية المدينة". ويشمل ذلك تخصيص منطقة للفنون والحرف والتصميم والأزياء، بما في ذلك إنشاء حي يضم محترفات واستوديوهات بأسعار ميسّرة للفنانين والمصممين الناشئين. كما يشمل تخصيص مناطق أو تقديم حوافز لتشجيع أبناء الطبقة الوسطى والمؤسسات والشركات الصغيرة والمتوسطة في نطاق سوليدير. وفي هذا الشق، يذكر الكتاب ضرورة وضع استراتيجيّات للترابط المروري، ومعالجة الاختناقات المروريّة، وتطوير روابط مكانيّة ووظيفيّة بين نطاق سوليدير وبقيّة المدينة.
في الخلاصة، يطلب الكتاب إطلاق بحث موضوعي مع الشركة حول ما ورد في الكتاب "في أقرب فرصة ممكنة"، مع شروع الشركة بتنفيذ شروط ما قبل المفاوضات (التدقيق وبراءة الذمة الضريبيّة وطلب الجمعيّة العموميّة)، ثم الإيعاز إلى فرق الشركة الفنية والماليّة بالاجتماع مع من تنتدبه الحكومة لمتابعة البحث في هذا الموضوع.




